الطريق الوعر.. رحلة في تعقب أثار المهربين وتجار “الجحيم القادم من المغرب”

dsc_0271

الطريق الوعر… كانت تعبره يوميا جماعات تلهث وراء زخرف الدنيا الفانية ولا يهمها تحصيل الرزق أمن حلال أم حرام، لكن شباب في سن الزهور تركوا كل المغريات المادية والمظاهر الخداعة التي لا تعكس عمق المعاناة التي يعيشها الشعب الصحراوي في اللجوء، لمواجهة الخطر القادم من المغرب.

وكما يحاول الاحتلال المغربي تمرير جمرته الخبيثة، بسواعد صحراوية لاحراق مكتسبات الشعب الصحراوي واشغاله بحروب داخلية، وتدمير الشباب وثنيه عن الالتحاق بجيش التحرير والتفرغ لبناء المؤسسات الوطنية، تقف ثلة من الشبان الشجعان لصد كل تلك المناورات وافشال المؤامرات، بعزيمة فلاذية واقدام منقطع النظير.

كانت رحلة في البحث عن الحقيقة في نقطة سوداء، حولها الاحتلال الى منطقة عبور لتدمير العقول والبيوت الصحراوية.

إعداد/ حمة المهدي

من الشهيد الحافظ الى بوكربة مسافة الألف ميل تبدأ بخطوة

dsc_0295الساعة تشير إلى منتصف النهار من يوم الاثنين الفاتح محرم 3 اكتوبر2016، على متن سيارة الدفع الرباعي من نوع تويوتا، امام نقطة الجمارك الجزائرية على الحدود الجزائرية الصحراوية، باتجاه المناطق المحررة لنتوغل في المناطق الصحراوية جنوب المغرب قليلا بالحدود الشمالية للجمهورية الصحراوية مع الحدود الغربية للجارة الجزائر والحدود الجنوبية للمغرب، اين تبهرك معجزة الخالق في سلسلة جبال لوراغزيز والأعماق التي تفصل الحدود حتى يخيل للناظر بأنه يشاهدها من الفضاء في جغرافيا لاتراها في باقي المناطق الحدودية للدولة الصحراوية، وكأن تلك التضاريس ترسم الحدود بين المغرب والصحراء الغربية، وترفض منطق التوسع الذي يعشش في أذهان ملوك الرباط.

وعلى مسافة 180 كلم تقريبا، كانت السيارة تشق مسالك الصحراء الوعرة بسرعة مفرطة، للوصول مبكرا الى تلك المناطق التي تدر على بعض عصابات التهريب اموالا طائلة، فيما تحدث في المجتمع ما لا تفعله المدافع والقذائف، حيث يعمل الاحتلال المغربي منذ وقف اطلاق النار على استخدام سلاح المخدرات لاغراء الشباب الصحراوي وتوريطه في امتهان تجارتها ونقلها وتعاطيها.

من خلال الجنود والضباط المغاربة المتواجدون على طول الجدار المغربي، والذين يعملون في الاتجار ونقلها الى خارج الجدار.

انتشار الالغام بالمنطة لم يثني المهربين عن مغامراتهم

بالرغم من انتشار الالغام المغربية على طول الجدار المغربي الذي يقسم الصحراء الغربية على مسافة 2720 كلم، تنتشر بها 10 ملايين لغم مضاد للافراد والاليات.

وبحسب دليل الوحدة العسكرية الخاصة فإن منطقة بوكربة توجد بها حقول الغام منتظمة، فيما توجد مناطق أخرى يكون زرع الألغام بها بشكل عشوائي وهو ما يشكل خطر يهدد الحياة بتلك المنطقة.

ويقول المختار وهو عسكري قديم في جيش التحرير ودليل الوحدة الخاصة، ان المهربين يعمدون الى سلك ممرات اجبارية لتفادي السقوط في حقول الالغام، لكن في حالات المطاردة يمكن ان تؤدي السرعة الفائقة الى الانزلاق عن الطريق في تلك المسالك الوعرة او الدخول في حقول الالغام، وهنا مكمن الخطر.

ويسترجع المخطار الذاكرة الى احداث مماثلة حيث ادى انفجار لغم في السنة الماضية الى استشهاد احد أفراد القوات الصحراوية الخاصة وجرح اخر، اثناء مطاردة عصابة للمخدرات.

وفي قطاع تويزقي توجد قاعدة طارف بوهندة التي تضم منطقة “بوكربة” و “بولحبال” وهما منحدرين رئيسيين يتم استغلالهما من قبل المهربين عبر المسالك الكثيرة التي توجد بكل منحدر، و يعتمد المهربون على ممرات ومسالك اجبارية، يستغلونها في نقل بضاعتهم، ويتم غلق هذه الممرات لكن انتشار التهريب بالمنطقة يؤدي الى فتح ممرات اخرى، ومنافذ للنجدة في حالات المداهمة.

ومن اجل السيطرة على تلك المنطقة ومنع تدفق المخدرات نحو الاراضي المحررة ومخيمات اللاجئين الصحراويين وضع الجيش الصحراوي العديد من نقاط المراقبة على طول المسافة الفاصلة بين المنحدرين “بوقربة” و”بولحبال” والمقدرة بـ40 كلم.

و تضم الحراسات نخبة من الشباب الصحراوي الحديث التخرج من الكليات العسكرية، تبدو عليهم صفات الانضباط والانسجام، والجاهزية، ويقوم هولاء الجنود بعمليات تمشيط في الليل والنهار لرصد حركة المهربين والبحث عن كميات المخدرات التي يضعها الجنود المغاربة لمصادرتها قبل وصول المهربين اليها، ومنذ تمركز القوة الجديدة قامت خلال عمليات التمشيط بحجز قرابة 500 كلغ من حشيش القنب الهندي المعالج، وقبل اتلافها قامت الوحدة العسكرية بتفحص الحمولة، التي يحمل بعضها رموز “7 دولار” و “نجمة وصليب” وبعض الرموز الأخرى التي يضعها تجار المخدرات تلبية لطلب الزبائن، وكعلامات تميز بضاعة كل تاجر عن الاخر، او لاغراض تسويقية واشهار للبضاعة.

اتلاف المحجوزات في مكان مصادرتها هل يقطع الطريق امام القيل والقال؟

في خطوة تروم الشفافية في العمل وتقطع الطريق امام اي تأويلات او شائعات حول مصير المخدرات الي تتم مصادرتها قررت قيادة الوحدة الخاصة بمحاربة المخدرات اتلاف اي شحنة يتم حجزها في المكان الذي وجدت فيه، وأمام انظار وسائل الأعلام.

فقد كثرت الأقاويل في الفترة الاخيرة عن مصير ما يتم حجزه من المخدرات خاصة انه في الغالب يتم حجز كميات كبيرة دون ان تنجح قوات مكافحة المخدرات على اختلاف مسمياتها من القبض على المهربين، ما طرح عديد التساؤلات، عن جدوائية حجز المخدرات بدون القبض على تجارها، وهو ما يضع القوة الجديدة على المحك في القدرة على تضييق الخناق على تهريب المخدرات ومحاصرة تجارها والقبض على كل من يقترب من المناطق المحظورة، والضرب بيد من حديد على كل من يتجرأ على المتاجرة فيها وتسليط اشد العقوبات عليه.

من بوكربة الى الكركرات رجال وقفون وعيون ساهرة تحرس الوطن

معرفة تضاريس الارض ومسالك الصحراء هي سر تفوق المقاتل الصحراوي، حيث يعتمد على بديهته في معرفة جغرافيا وطنه، ومواقع الماء والاماكن الإستراتيجية.

وهنا يحدثنا احد الخبراء في تضاريس منطقة بوكربة المخطار سيدي الفاطر الذي تستعين به الوحدة الخاصة كدليل حيث يقول: “هذه الأرض اعرفها جيدا، كبرت فيها وترعرعت واستشهد فيها والدي ـ رحمة الله عليه ـ سنة 1976 بقلب ابراهيم برزوق.

وعلى هذا الاساس تمت الاستعانة بي في هذه المهمة النضالية من اجل تضييق الخناق على المخدرات المغربية التي باتت تهدد امن مجتمعنا ودولتنا.

ويضيف ان المنطقة شاسعة وكبيرة وتوجد بها منحدرات خطيرة ولهذا يستغلها المهربون لصعوبة ملاحقتهم فيها وسهولة التخفي والاختباء، لهذا على الشباب الصحراوي ان يتعلم هذه التضاريس، ويسأل عن كل المعلومات التي يجهلها حتى يظل متفوقا على العدو المغربي الذي يجهل المنطقة رغم استعانته بوسائل متطورة.

وخلال الحديث الودي مع المقاتلين الشباب تلمس معنويات عالية ورغبة في التضحية، وبركان غضب يغلي في كل شاب ينتظر المهمة او الامر لتنفيذ الهدف بكل قناعة وشجاعة ضد الاحتلال المغربي.

وتاكيد بان الجندي الصحراوي يدافع من اجل هدف اسمى ويطمح للشهادة او النصر لانه يقاتل بعقيدة ويحمل قضية مقدسة بخلاف الجندي المغربي الذي يقاتل من اجل راتب ووظيفة.

وهنا يؤكد جميع الشبان الذين التقيناهم انهم على استعداد وجاهزية لاي طارئ مهما كان نوعه ولاي مسؤولية توكل اليهم من اجل تحرير الوطن، وان هناك من بوكربة الى الكركرات رجال وقفون وعيون ساهرة تحرس الوطن.

بدون تجند الجميع لايمكن مكافحة المخدرات

الكل مطالب بالانخراط في مكافحة المخدرات، وبدون تجند الجميع لا يمكن القضاء على الظاهرة، هي خلاصة حديثنا عن الظاهرة مع الاباء والشباب الصحراويين بالخطوط الامامية مع العدو، والذين اكدوا على دور الأسرة والمجتمع في مكافحة المخدرات والجريمة، والمساهمة في تجفيف منابعها، من خلال التحسيس والتوعية وحسن تربية الابناء ومراقبتهم، واختيار الصحة الصالحة لهم.

كما تبرز مسؤولية النخب المثقفة في طرق الظاهرة والتحذير منها وعقد ايام دراسية وملتقيات للبحث في اسباب انتشارها واساليب مكافحتها، وهو دور المجتمع المدني الذي بدأ يظهر على الساحة الوطنية من خلال مبادرات ومجموعات تطوعية، لانه بدون تضافر الجهود والوقوف في وجه الخطر الزاحف ستكون العلاجات عويصة وصعبة بعد تجذرها في المجتمع.

شباب مقدام لتحطيم الحزام

الشيخ لكبير احمد بابا احد الشبان الصحراويين ضمن القوة الخاصة يقول : نحن كشباب اخترنا التضحية من اجل حماية وسلامة المجتمع ومكافحة المخدرات.

ويضيف “اوصي جميع الشباب بمخيمات العزة والكرامة بان يكونو يد واحدة، في وجه الفساد وتجار المخدرات”.

نقول لتجار المخدرات اننا بعون الله تمكنا من السيطرة الكاملة على ممرات بوكربة وبولحبال، ولن نتسامح مع ايا كان، وسنكون لهم بالمرصاد.

ويقول عبد الجليل محمد لمين انا شاب صحراوي انخرطت في القوة العسكرية الخاصة التي تأسست لمكافحة المخدرات والجريمة، ورسالتي للشباب من خلالكم ان المخدرات ضررها يصل الى الاخ والاخت والابن وجميع افراد الاسرة، ولا يجني منها المجتمع أي فائدة، لذا اوصي الشباب بالابتعاد عنها والحذر من الانجرار ورائها.

وداد الناجم : اخترت طوعا الانخراط في هذه الوحدة العسكرية التابعة للجيش الصحراوي لمكافحة المخدرات، انطلاقا من رؤية باخطارها التي تهدد المجتمع، وانت تنظر الى دولة الاحتلال وهي تفسد مجتمعك وتستهدف شبابك، وتعبث بوطنك، هذا امر لايمكن تركه هكذا والصمت حياله، ونحن كشباب اخترنا مقاومة المخططات الاستعمارية وهو ما دفعني حقيقة الى اختيار هذه المهمة.

ويؤكد الفاظل حميد وهو قائدة الوحدة العسكرية الخاصة، انه تم وضع نقاط حراسة دائمة بالقرب من القاعدة العسكرية المغربية التاسعة من قطاع تويزغي الطارف بوهندة، بالقرب من جبال الواركزيز.

وهي المنطقة التي يستخدمها العدو المغربي كجبهة للتدمير العقول واستهداف الجبهة الداخلية، منذ وقف اطلاق النار، كحرب جديدة تستهدف الشعب الصحراوي وتدمير البنية الداخلية للمجتمع، وتوريط الشباب الصحراوي في المخدرات .

وهنا نوجه نداء الى كل شرائح المجتمع الصحراوي بمخيمات العزة والكرامة والمناطق المحتلة من اجل مساهمة الجميع بالتوعية وهي جزء مهم في التحسيس بمخاطر الظاهرة، التي تدر على الاحتلال اموال خيالية، ولا نربح منها سوى الخراب والدمار.

المخدرات المغربية ارقام مخيفة وخطر يهدد دول الجوار

تشير كل الإحصائيات الدولية والعالمية، الرسمية منها والمستقلة الى ان المغرب يتربع على عرش مصدري جميع أصناف المخدرات نحو بقاع المعمورة والمنتج والمصدر الأول للحشيش في العالم حيث هناك أكثر من 134 ألف هكتار لزراعته بمختلف أنواعه، وتتوزع هذه الهكتارات بين مختلف مدن شمال المغرب بدءا من العرائش والحسيمة والشاون وكتامة والناضور وغيرها.

وتشير الاحصائيات الى أن 27 في المائة من الأراضي الزراعية في الريف المغربي تخصص لزراعة الحشيش حيث يصل الإنتاج السنوي 46,500 طن تؤمن 217 مليار سنتيم لـ 96,000 عائلة لا مورد دخل لها إلا زراعة الحشيش والمتاجرة فيه عبر الوسطاء الذين يصدرونه الى الدول الأوربية حيث يدر عليهم بملايين اليورو.

كما لم يعد خافيا كون أباطرة المخدرات في المغرب هم أعوان امن وسياسيون ورجال أعمال ومسئولون كبار في الدولة المغربية حيث كان آخر هؤلاء مدير أمن القصور الملكية الذي خرجت فضيحة ارتباطه بشبكات تهريب المخدرات الى العلن.

انتشار المخدرات في المغرب واعتمادها كمصدر اقتصادي يكشف حجم التناقض الصارخ بين الفقر المدقع والغنى الفاحش , بين سيارات الدفع الرباعي والقصور الفخمة في عمق الجبال الخضراء وبين عائلات تفترش الأرض وعيونها لسماء طالبة الرحمة من عيش ضاق في بلد مازالت سلطة القانون فيه غائبة، ويحتكم لشريعة الغاب.

ويتصدر المغرب المرتبة الأولى كمورد رئيسي للحشيش إلى أوروبا، وأكبر مصدر للمادة على مستوى العالم في كل التقارير الدولية وحتى المحلية المغربية.

كما يسجل المغرب، مقارنة بالدول المغاربيّة، أعلى معدل إدمان في صفوف مواطنيه.

التقرير السنوي لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة اكد اكثر من مرة ان المغرب ما يزال أول مصدر للحشيش في العالم، بناء على ما كشفته بيانات استند عليها التقرير.

وذكر التقرير، أن المغرب يوجد ضمن الأربعة دول التي تتربع على عرش مصدري جميع أصناف المخدرات نحو بقاع العالم.

كلمة لابد منها

ان الشباب الذين وهبوا أنفسهم ووقتهم لخدمة الوطن، واختاروا التواجد بالثغور والخطوط الدفاعية الامامية مع العدو المغربي، متسامين على كل المغريات المادية،  واسباب الراحة والبحث عن تحسين ظروف العيش، يبعثون برسائل قوية:

الاولى الى العدو المغربي اولا بان القضية ليست مرتبطة بجيل، وإنما هي قضية اجيال وستظل شوكة في حلقه حتى يرجع عن غيه وظلمة ويخرج صاغرا من الارض والوطن.

والرسالة الثانية الى الصديق وفي مقدمتهم المتواجدين بمواقع التواصل الاجتماعي، والمقاهي ودور الدردشة بان الحياة لا تتكرر فإما ان يعيش المرء فيها كريما ويحقق امال وطموحات شعبه او ان يكون عبئا على مجتمعه.

وان التضحية بالنفس هي اعلى مراتب الحرية وتحقيق الانعتاق من كل المؤثرات الأرضية.

رسالة الى من يهمهم الامر

ان الأمن مطلب ملح، خاصة في ظل المتغيرات المحلية والاقليمية، وسعي الجماعات الارهابية والمتطرفة وعصابات التهريب الى زعزعة الاستقرار ووصولها على حدودنا، لذا لابد من وضع استراتيجية لمواجهة هذه التحديات وايلا العناية بالقائمين على الامن، خاصة في نواحي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، وتمكينهم من كل الوسائل المادية والتقنية والطاقات البشرية، وتحسين ظروفهم ووضعهم في صدارة سلم الأولويات، كما ان المجتمع مطالب بكل مؤسساته، وسائل الاعلام، المدارس، المساجد، بان يلعب دورا في المساهمة في حفظ الامن ومحاربة كل مظاهر تقويضه، وتثمين دور رجال الامن ومقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي، والوقوف الى جانبهم واستنكار الظاهرة والبراءة من اهلها.

ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ

لقراءة الريبورتاج من مصدره الأصلي، اضغط هنــــــــــــــا