العواقب الجيوسياسية للسقوط الوشيك لحلب وشراء قطر ل 19.5٪ من أسهم روسنفت

AFP PICTURES OF THE YEAR 2016
Syrian men carrying babies make their way through the rubble of destroyed buildings following a reported air strike on the rebel-held Salihin neighbourhood of the northern city of Aleppo, on September 11, 2016.
Air strikes have killed dozens in rebel-held parts of Syria as the opposition considers whether to join a US-Russia truce deal due to take effect on September 12. / AFP PHOTO / AMEER ALHALBI

(الصورة مقتبسة من الأنترنت من طرف إدارة الموقع)

لكاتبه: الجنرال الفرنسي المتقاعد جان برنار بيناتل، 12  ديسمبر 2016،

ترجمة: ماءالعينين لكحل

تمثل معركة حلب نقطة تحول في الصراع السوري. فاستمرار حكم بشار الأسد لم يعد شرطا أساسيا لإنهاء النزاع. لأن الروس يمتلكون الآن كل الأوراق في يدهم لفرض الحل. حيث سيكون لانتصار القوات السورية المدعومة من قبل روسيا ضد الإسلاميين الراديكاليين عواقب جيوسياسية كبيرة على منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. بل ان الأثر العملي الأول قد حصل بالفعل يوم 10 ديسمبر 2016، من خلال بيع  19.5٪ من أسهم روسنفت لقطر (1).

وكانت تركيا قد استبقت هذا الانتصار، حيث توجه أردوغان يوم 9 أغسطس إلى كانوسا طالبا الغفران في سانت بطرسبرغ، بعد أن أعرب عن “أسفه” لبوتين أواخر يونيو على إسقاط الطائرة الروسية ساخوي 24 برصاص الطيران التركي. وبادله بوتين المجاملة يوم 10 أكتوبر بزيارته لاسطنبول، حيث اكد الزعيمان مجددا على التزامهما باستكمال مشروع خط أنابيب “تركستريم” الروسية-التركية التي من المنتظر أن تنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر البحر الأسود، إضافة إلى بناء روسيا لأول محطة تركية للطاقة النووية.

من جانبهم أدرك القادة القطريون أن استراتيجية دعمهم لجماعة الإخوان المسلمين والوهابيين في سوريا ستؤدي إلى سقوطهم، نظرا لفعالية التدخل العسكري الروسي الذي بدأ في سبتمبر 2015 والذي جاء مخالفا لتعثر أوباما في سوريا ومحدودية فعالية عمليات جيوشه في دعمها العسكري للعراق. كما أدرك القطريون، أن نجاحهم في بيع الغاز إلى أوروبا يحتاج إلى اتفاق مع روسيا التي لديها كل الأوراق اللازمة للسماح أو لمنع بناء خط أنابيب بري لنقل الغاز القطري إلى بلدان الاتحاد الأوروبي (2).

وبعد الزيارة الأولى للأمير تميم بن حمد آل ثاني إلى موسكو في يناير كانون الثاني 2016، أدى هذا التقارب إلى توقيع اتفاق عسكري بين البلدين في 6 سبتمبر من نفس السنة، خلال زيارة وزير الدفاع القطري، خالد بن محمد العطية، بمناسبة المنتدى العسكري والتقني الدولي “جيوش-2016” في موسكو. وللتذكير، صرح سعود بن عبد الله آل محمود، سفير دولة قطر في موسكو آنذاك قائلا: “لقد وقعنا اتفاقا للتعاون العسكري مع روسيا، لكنه لا يشمل شراء الأسلحة”. ومع ذلك، لم تستبعد الدوحة أي شيء بخصوص صفقات الأسلحة المحتملة، حيث أكد الدبلوماسي القطري أن بلاده تنظر في “هذه الإمكانية”.

لكن الانعكاس الأهم لهذا التقارب، والذي يتضمن تداعيات جيوسياسية كبيرة، حصل يوم السبت 10 ديسمبر 2016، من خلال إبرام اتفاق لبيع 19.5٪ من أسهم شركة روسنفت لصالح “هيئة الاستثمار القطرية”، مقابل 11.37 مليار دولار تذهب إلى الخزينة الروسية التي كانت بحاجة لهذا المبلغ الهام. لتصبح قطر بذلك ثاني أكبر مساهم في شركة روسنفت بعد الدولة الروسية.

ولفهم الأهمية الجيوسياسية الاستثنائية لهذا الاتفاق، لا بد من إيراد تذكير تاريخي واقتصادي.

تمتلك ثلاث دول، هي روسيا وإيران وقطر، ما مجموعه 50٪ من احتياطي الغاز الطبيعي في العالم. وقد باتت هذه البلدان من الآن فصاعدا حلفا اقتصاديا واستراتيجيا، وهو ما يسجل فشلا لاستراتيجية الاتحاد الأوروبي الساعي إلى تنويع مصادر امداداته من الغاز الطبيعي، مدفوعا من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلف شمال الأطلسي. وبالفعل فإن روسيا هي أكبر مورد للغاز الطبيعي إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة تصل إلى 40٪ من واردات هذا الأخير، أي بما يمثل 20٪ من إجمالي استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي. ونظرا إلى الزيادة في استهلاك الاتحاد الأوروبي للغاز ونضوب حقل الغاز في بحر الشمال، فمن المتوقع أن يزيد ارتفاع اعتماد دول الاتحاد الأوروبي من الطاقة على روسيا بشكل حاد في السنوات المقبلة. وكانت المفوضية الأوروبية قد توقعت وجوب توفير 70٪ من احتياجات الطاقة في الاتحاد الأوروبي عن طريق الاستيراد بحلول عام 2040، مقابل 50٪ اليوم. وقد اعتبر هذا الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي أمرا غير مقبول لدى الإستراتيجيين الأميركيين الذين خلصوا إلى أن قيام محور أوروبي-أسيوي سيكون إيذانا بنهاية التفوق الأمريكي ونشوء لاعب كبير ثالث على الساحة العالمية سيربك مواجهتهم الثنائية كشريك وخصم في ذات الآن مع الصين.

وبالنسبة لاستراتيجيي الولايات المتحدة وحلف الأطلسي الأوروبي، فإن قطر التي تمتلك 24300 مليار متر مكعب من الاحتياطي المؤكد للغاز الطبيعي ما يضمن 154 عاما من الإنتاج بالمعدلات الحالية، كان هو الحل لهذه المعضلة، بشرط بناء خط أنابيب لنقل الغاز، لأن تسييل الغاز الطبيعي ونقله عن طريق البواخر عبر مضيق هرمز وقناة السويس يحُد من قدرة الغاز القطري على المنافسة مع الغاز الروسي. ووفقا للمعلومات التي أوردتها صحيفة الخبر اللبنانية عام 2012، كان القطريون قد وضعوا خطة وافقت عليها إدارة أوباما والاتحاد الأوروبي لبناء خط أنابيب غاز إلى أوروبا عبر سوريا. وكان من المتوقع لخط الانابيب البرية هذا أن يعبر المملكة العربية السعودية والأردن، ويتجنب العراق للوصول الى حمص في سوريا، حيث كان سيوزع إلى ثلاثة اتجاهات: اللاذقية على الساحل السوري، وطرابلس في شمال لبنان، والفرع الثالث عبر تركيا إلى أوروبا. غير أن بشار الأسد رفض السماح بعبور هذا الخط من بلاده.

وبالتالي، تتم إعادة توزيع الأوراق الآن، ولم يعد هناك ما يحول دون إيصال الغاز القطري إلى تركيا لربطه بخطوط أنابيب “تركستريم” وتوفير احتياجات الاتحاد الأوروبي من الطاقة. ونحن نراهن على أن الأوروبيين سيرفعون عقوباتهم الاقتصادية ضد روسيا في القريب العاجل، نتيجة لذلك.

وعليه يمكن القول، أن الأمر قد تطلب حربا ل 5 سنوات، ومئات الآلاف من القتلى في سوريا، والهجمات الإرهابية في أوروبا من أجل فرض هذا الامر بالقوة بدل الاتفاق عليه بالمنطق. لأن التحالف مع روسيا أمر حيوي سواءا في الحرب ضد الإسلام الراديكالي أو في الاقتصاد إن أرادت أوروبا العودة مجددا كلاعب أساسي على الساحة الدولية.

—————

  • “روسنفت” هي رائدة الصناعات البترولية الروسية، والشركة العمومية الأكبر عالميا في المجال.
  • يرى بعض الباحثين أن مشروع خط الأنابيب هذا ورفض الأسد السماح بمروره عبر سوريا قد كان عاملا حاسما في الحرب ضد سوريا، حيث كان من المتوقع أن يمر عبر المملكة العربية السعودية والأردن، ويتجنب العراق ليصل حمص في سوريا، ومن هناك يتم تقسيمه وتوجيهه إلى ثلاثة اتجاهات: اللاذقية على الساحل السوري، وطرابلس في شمال لبنان، والفرع الثالث عبر تركيا إلى أوروبا.

النص الأصلي بالفرنسية لكاتبه الجنرال الفرنسي المتقاعد: جان برنار بيناتل، منشور يوم 12 ديسمبر على الرابط:

http://www.geopolitique-geostrategie.fr/les-consequences-geopolitiques-de-la-chute-imminente-dalep-et-de-la-vente-de-195-d-actions-de-rosneft-au-qatar-74937