هل تنتظر أزمة الكركرات ضغطاً أمريكيا؟

sid-620x330

ــ بقلم: السيد حمدي يحظيه

لم ينفع شيء في ردع المغرب عن مغامرته الهادفة إلى تعبيد طريق بري يفتح من خلاله الحدود مع موريتانيا ومن ورائها مع إفريقيا. فلا الأمم المتحدة ولا الوساطات السرية الكثيرة استطاعت أن تجعل الوضع يعود إلى ما كان عليه قبل بداية اوت 2016م. بالنسبة للمغرب قضية فتح الحدود في أي اتجاه ولو نحو السماء هو قضية حياة أو موت. فالمغرب الآن يعيش في قفص جغرافي رهيب، والموارد المالية التي كان يحصل عليها من تصدير المخدرات لم يعد يحصل عليها. فالجزائر لن تفتح الحدود حتى يشيب الغراب، وحتى تمعن في الحزم أغلقت كل منافذ التهريب، وأصبحت تستعمل كاميرات مرتبطة بالاقمار الصناعية، وقامت بتشميع كل نقاط العبور التي كان المخزن يُهرِّب منها المخدرات إلى إفريقيا، أما أسبانيا، وبالاتفاق مع الاتحاد الاوروبي، فقامت بوضع مخطط محكم للقضاء على المخدارت التي تأتي من المغرب عبر البحر أو في الحقائب ويتم حقنها في شرائيين ودماء الشباب الأوروبي. فكرة المغرب الآن هي إيجاد سوق بديلة للمخدرات في إفريقيا، وسياسة العودة إلى الاتحاد الإفريقي والتوجه إلى إفريقيا تعني شيئا واحدا في عقيدة المخزن وهو انه يريد تحويل إفريقيا إلى سوق لمخدراته. حسب أعتقاد المخزن، الأفارقة، بسبب قلة العمل وبسبب البطالة، هم أكثر من يحلم بالهروب من واقعه، والمخدرات هي الحل السحري للهروب من الواقع، وسيشتريها الافارقة بكثرة، ثم ان الصحراء الكبرى المحاذية لافريقيا، بسبب شساعتها واستراتيجتها وبعدها عن القانون، يجب أن تكون هي عاصمة سوق المخدرات المغربي.

لكل هذه الأسباب وأسباب آخرى يتعقد الوضع أكثر في الكركرات. فكما قلنا سلفا، بالنسبة للمغرب، فتح الحدود مع إفريقيا هي قضية حياة أو موت، والمشكلة هي ان المغرب يريد هذه الحدود أن تكون مفتوحة بالطريقة التي يريدها هو: يريد معبرا معبدا يمر من الأراضي الصحراوي المحررة، لكن يتم القفز على رموز السيادة الصحراوية ولا يتم وضع مراكز مراقبة ولا يتم جبي ضرائب ولا حتى وضع الطابع الصحراوي على جوازات السفر المغربية. تعنتُ المغرب اتجاه هذه النقطة يقابله حزم صحراوي من الجانب المقابل. بعد افتعال أزمة الكركرات، يبدو أن الشارع والجيش الصحراوي قد بدأ يتساءل عن لماذا كان يحدث سكوت عن مرور شاحنات العدو المغربي دون جمركة ودون وضع الطوابع السيادية من منطقة صحراوية محررة تقع ضمن نطاق إدارة الدولة الصحراوية، وتم حتى وصف ذلك الفعل بنوع من التطبيع غير المبرر. على مستوى سياسي، في الداخل أو في الخارج،  أصبح مفروضا على الصحراويين اللجوء إلى الحزم في التعامل مع المناورة المغربية. فالجيش الصحراوي وجد في المناورة المغربية في الكركرات الفرصة سانحة كي يصقل اسلحته ويعيد الاعتبار لها، ويُكذِّب الذين يشككون في أنه لن يتجمع من جديد.  فتوجه الجيش الصحراوي إلى الكركرات نفض الغبار عن معنويات المقاتلين وجعلهم، بقيادة الرئيس نفسه، يقومون بسلسلة من الإجراءت التكتيكية موجهة إلى المغرب منها الوصول إلى المحيط الأطلسي وإلى مدينة لكويرة، وفتح فجوة في هالة الكذب المغربي التي ظل القصر يتغنى بها، والتي تقول “المغرب من طنجة إلى لكويرة”؛ فلكويرة التي يوهم القصر شعبه انها واقعة تحت سلطته هي واقعة، فعليا، تحت سلطة البوليساريو، والرئيس الصحراوي وقف على شاطئها وجعلها مركز قيادته الأمامي لمعاينة أزمة الكركرات. من جهة أخرى، يبدو أنه لا رجعة عن قرار الرد على القوات المغربية إذا تقدمت مئة متر إضافية. تصلب مواقف الطرفين يجعل الوضع أكثر تعقيدا مما نتصور.

هذا الوضع المعقد يجعلنا نحدس وجود معركة قوية في الكواليس. وحتى يحقق المغرب مسعاه في فتح المعبر على هواه، لجأ إلى تجميع كل أوراق الضغط على الطرف الصحراوي مثل الوساطات والنصح. في كل الأسواق الدولية يبيع المغرب قضية فتح المعبر في الكركرات على أساس أنها قضية دولية، وأنها، بالنسبة للشعب المغربي، هي قضية حياة أو موت، وانها ليست مطلبا مغربيا فقط، إنما هي مطلب إفريقي ومطلب موريتاني ومطلب سينغالي وعالمي، وأن القانون الدولي “يفرض” فتح المعابر التي توصل الدول ببعضها، وأنه من الإجحاف منع الشعوب من التواصل بينها بسبب قضية سياسية، وان فتحه سيمكن من تنظيم الهجرة إلى اوروبا وسيحد من الهجرة غير الشرعية، وان الشعب المغربي الغاضب يمكن أن يتوجه في مسيرة إلى المعبر ليفتحه بالقوة ليجعل الوضع يتوتر في المنطقة كلها. لكن على ما يبدو كل أوراقه، إلى حد الآن، سقطت في الماء الضحل. لم يستطيع زحزحة الموقف الصحراوي ولا الموقف الموريتاني، وكل الدلائل تشير أنه إذا لم يحدث ضغط أمريكي كبير فيمكن أن يتم غلق المعبر نهائيا مثلما حدث مع غلق الحدود مع الجزائر ويتحمل المخزن مسئولية غلطة أخرى استراتيجية. فعلى ما يبدو، وبسبب رأي صحراوي داخلي متوحد في التعامل بالحزم، لا تستطيع القيادة الصحراوية التراجع عن أمر إطلاق النار إذا تقدم المغاربة مئة متر، وحتى إذا حدثت ضغوطات كبيرة وتم فتح الطريق، وهذا من الصعوبة بمكان، سيكون مفروضا على الصحراويين ممارسة سيادتهم على معبرهم الواقع تحت إدارتهم وسيجنون الجبايات ويضعون الختم.

هل ينتظر الجميع  ضغط الإدارة الأمريكية الجديدة؟

سيلاحظ القارئ اننا نستعمل هنا مصطلح “ضغط الإدارة الأمريكية” بدل مسعى أو وساطة الإدارة الأمريكية. سبب استعمال هذا المصطلح هو بسيط: فالوساطة تعني إيجاد حل وسط يرضي الطرفين، وهذا في حالة قضية الكركرات هو، إلى حد الآن، شبه مستحيل ما دام المغرب يريد فتح الممر بدون وجود لرموز السيادة الصحراوية، وما دام الصحراويون سيرفضون ترك المغرب يمر لإن ذلك يعني تطبيعا معه كقوة محتلة  وهو أمر مرفوض.

حسب ما وصل إلى علمنا فإن المغرب بدأ، منذ الوهلة الأولى، يبحث عن من يستطيع أن يضغط على البوليساريو والجزائر كي يتم فتح المعبر مجانا وتعبيد الطريق، لكن لا أحد في مقدوره أن يضغط أو يتوسط الآن. فالقوة الوحيدة التي في مقدورها أن تضغط، مثلما كان يحدث غالبا، هي الولايات المتحدة التي لا تسمح لها ظروف الانتقال الإداري والسياسي الحالي بالتسرع لتضغط على البوليساريو.

فمثلما جرت العادة كانت الإدارة الأمريكية حاسمة دائما في التدخل لتفكيك أية أزمة صامتة تحدث بين المغرب والبوليساريو في الصحراء الغربية. فكما نعلم كان تدخُّل الولايات المتحدة عاملا مؤثرا دائما في القفز على تلك الأزمات وحلها. فالإدارة الأمريكية هي التي تدخلت لإطلاق سراح الاسرى الفرنسيين سنة 1977م، وهي التي تدخلت سنة 2001م لثني البوليساريو عن الحرب غداة مرور الرالي باريس- داكار، وهي التي تدخلت لجعل مينتو حيدار تعود إلى العيون سنة 2009م، وهي التي تدخلت كي يتم إطلاق سراح ما تبقى من الاسرى المغاربة عند البوليساريو سنة 2004م. لكن إذا لاحظنا منحنى وساطات  الولايات المتحدة نجد أنها تسير دائما في صالح المغرب ولم يحصل الصحراويون منها على شيء. لكن رغم ذلك، يجب ان لا نتصور دائما أن البوليساريو والجزائر كانتا دائما تقولان نعم لوساطة الإدارة الأمريكية أو تنحنيان لضغطها. في سنة 2007م حدثت “وساطتان” أمريكيتان واحدة بين الجزائر والمغرب لفتح الحدود بينهما، لكن رفضتها الجزائر، والثانية حدثت بين المغرب والبوليساريو تتمحور حول نصح أمريكي للصحراويين بقبول الحكم الذاتي وطلب منهم الحضور إلى مفاوضات مباشرة مع المغرب في واشنطن تحت إشراف امريكي، لكن رفضتها البوليساريو بقوة.

الآن على ما يبدو المغرب ينتظر أن تتسلم الإدارة الامريكية الجمهورية، صديقة المغرب التقليدية، مهام الرئاسة كي يطلب منها الضغط على الجزائر والبوليساريو كي يتم تعبيد الطريق الواصل إلى موريتانيا مجانا، وبدون إجراءات سيادية صحراوية، وهو ما يجعل المسعى الأمريكي، إذا حدث، يتعرض للإخفاق مثلما وسبق أن أخفق في قضية التوسط لفتح الحدود بين الجزائر والمغرب وفي قضية فرض الحكم الذاتي على الصحراويين.