تحليل أساليب الدعاية الإعلامية في شريط حرق الجنديين التركيين ولماذا تكريس أسلوب إعدام الطيار الأردني الكساسبة

محمد لحسن البشير

ــ بقلم: البشير محمد لحسن (باحث متخصص في الدعاية الجهادية من الصحراء الغربية) لموقع “رأي اليوم”

نشر فرع “ديوان الإعلام المركزي” لتنظيم “الدولة الاسلامية” شريطا مصورا صادرا عن “ولاية حلب” بعنوان “درع الصليب”، ويتناول الشريط عملية حرق جنديين تركيين، كان التنظيم قد أعلن عن أسرهما مطلع الشهر الجاري.

الفيلم التسجيلي الذي تقارب مدته العشرين دقيقة، بين كلمات مقتطفة من خطابات زعيم التنظيم ابوبكر البغدادي والناطق الرسمي باسمه ابوالحسن المهاجر، يعد النسخة الثانية المعدّلة التي ينشرها التنظيم، إذ سبق وأن تم نشر النسخة الأولى يوم الخميس ولم تكن مدتها تتعدى الستة دقائق، تبدأ بعرض مشاهد مبانٍ مدمرة وأطفال يُنتشلون من تحت الأنقاض، قال التنظيم أنهم ضحايا قصف الطائرات التركية، متبوعةً برسالة وجهها من قدّمه التنظيم على أنه “أبوحسن التركي” يتوعد فيها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان وحكومته بمزيد من الهجمات الانتقامية. وحرص “ديوان الإعلام المركزي” على أن تكون الرسالة باللغة التركية مع ترجمة مكتوبة الى اللغة العربية، وهوأسلوب معتاد في أفلام التنظيم الدعائية.

ويقودنا التحليل الى قراءة رسائل ما وراء الخطاب المسموع من خلال الصور والرموز وأساليب الإقناع وغيرها، فعندما يتم التركيز على السلاح الذي يحمله “أبوحسن التركي” في أكثر من خمس لقطات متتالية ومتقطة، وتصويره من زوايا مختلفة باستعمال تقنية البعد البؤري للكاميرا وأحياناً من زاوية منخفضة، فإن التنظيم يريد أن يعزز ما ذهبت إليه وكالة “اعماق”، التابعة له، طيلة هذا الأسبوع بنشرها قصاصاتٍ ومقاطع فيديوتظهر عتاداً عسكرياً خفيف وثقيل قالت أنه يعود لخسائر الجيش التركي في معارك مدينة الباب السورية، ومن ضمن ذلك العتاد البندقية التي يحملها “ابوحسن التركي”، والأرجح أنها بندقية ه ك 416 التركية الصنع، والتي يستخدمها سلاح المشاة في الجيش التركي.

ومن أجل أن يترك الشريط الأثر البليغ في نفوس الجمهور المتلقي، يعمد التنظيم إلى إعطاء الضحايا أسماء وأماكن ميلاد، ويحرص على ألا يكونوا مجرد أرقام، حيث تمّ تعريف الجنديان باسميهما ومكان ميلادهما، فيقول الأول: “اسمي فتحي شاهين، ولدت في قونية، وعمري ستة وعشرون سنة …”، فيما يعرّف الجندي الثاني نفسه على أنه “سفتر تاش، البالغ من العمر واحد وعشرون سنة …”. ويكون الهدف من إعطاء كل هذه المعلومات والتفاصيل، مصحوباً بصور مقرّبة للضحايا تُظهر ملامح وتفاصيل الوجوه هوأن يرسم المشاهد، وخاصة الجنود الأتراك في أذهانهم صوراً انسانية عن الضحايا، بأن لهم أسماء، عائلات ومكان ميلاد وهم جنود مثلهم، وبالتالي ما وقع لهما يمكن أن يطال أي جندي آخر. ويعد هذا الأسلوب أحد أساليب الدعاية السياسية الموجهة ضد الأعداء بغرض التأثير على نفسيات وأذهان المتلقين وتوجيه الجمهور إلى تبني رأي مُعِدّ الرسالة الدعائية حول القضية المطروحة، وفي هذه الحالة دفع الجمهور التركي الى التساؤل حول مشاركة بلاده العسكرية في سورية وبالتالي مطالبة الحكومة بسحب قواتها وتصوير الحرب بأنها حرب خاسرة، وأن مصير الجنود الأتراك في سورية لن يختلف عن مصير سفتر وفتحي. ويظهر ذلك بوضوح في الرسالة التي وجهها الأخير إلى الجيش والشعب التركي، قصد تحريك المشاعر وإثارة النقاش في الرأي العام حول انخراط تركيا في تلك الحرب، حيث يقول “يا جنود الدولة التركية، أخرجوا من أراضي الدولة الاسلامية قبل أن تذوقوا ما ذقناه من الذّل، ويا شعب تركيا، إن الذّل الذي نحن فيه بسبب الحكومة التركية الحالية، وقد يكون أولادكم في مكاننا هذا يوماً ما …”، وفضلاً عن إثارة الشعب تهدف الدعاية السياسية أيضا إلى إضعافُ معنويات الجنود والضباط الأتراك المشاركين في الحرب ببث الذّعر في نفوسهم. وللدعاية الإعلامية القدرة على فعل ذلك، خاصةً إذا صاحبتها مشاهد عنف قوية، وإتقان لأساليب الحرب النفسية، بتصوير المشاهد بطريقة سينمائية محترفة، تعتمد على المؤثرات البصرية والصوتية (بما فيها صراخ الضحايا من شدة الألم بعد اشتعال اجسادهم) قصد بث أعلى درجات الخوف والذعر بهدف تشكيل انطباع الانهزامية في نفوس الجنود حتى قبل أن تطأ أقدامهم الأرض السورية.

ولم يغفل معدّوالشريط عن طرق وأساليب الإقناع وسرد الحجج، حيث يتم تحضير المتلقي نفسياً بعرض صور ومشاهد الدمار والقتلى، ويتم التركيز هنا على إبراز صور الأطفال، لما لها من وقع على النفوس، ويكون الغرض من عملية التحضير النفسي تلك التي تخاطب الحس اللاشعوري لدى المتلقين أن يتوقعوا تسليط أقسى العقوبات على من قام بكل ذلك الإجرام، حيث يتكون الانطباع لديهم بأن من يقتل الأطفال ويقصف المنازل يستحق أكثر من الحرق، ويُعرف هذا الأسلوب لدى خبراء الدعاية بعملية الاستثارة العاطفية، التي يكون هدفها دفع المتلقين الى التعاطف مع الضحايا ضد المتسببين في معاناتهم، وبعد عرض تلك المشاهد يتم الشروع في تنفيذ عملية الحرق. ومن أجل إتمام عملية الإقناع، يلجأ معدّوالمواد الدعائية التي يصدرها التنظيم عادةً الى استعمال آياتٍ قرآنية، أحاديث نبوية أوحوادث من التاريخ الإسلامي قصد تبرير مشاهد العنف المفرطة، وهي التقنية التي اعتمدها أيضاً شريط “درع الصليب”، حيث تم ادراج تلاوةٍ للآية الكريمة: “وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ”. 126 سورة النحل، وفي ذلك محاولة لإقناع المتلقين بأن من يحرق الاطفال بالقصف سوف يكون جزاؤه من جنس العمل.

ومن بين أساليب الحرب المعنوية التي وظفها معدّو الفيلم التسجيلي، والتي تم استعمالها بكثافة في فيلم حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، في الثالث من فبراير /شباط 2015، تعمّد المصورون إبراز البنية الجسمانية القوية لعناصر التنظيم، وإظهارهم مظهر الأشداء ضِخامٌ الكراديس، أكثّاء اللحى، ويتم ذلك بعرض صوّرٍ عالية الجودة من زوايا محسوبة بدقة متناهية، توضح وبالتصوير البطيء ملامح الوجوه والأجسام الضخمة وحتى تفاصيل الزّي العسكري والتجهيزات العسكرية. مقابل ذلك يتم إظاهر الجنديان مقيدان في القفص بلباسهما العسكري حليقي شعر الرأس، الذقن واللحية، كما يتم اقتيادهما وهما يمشيان على اليدين والأرجل على طريقة جر الكلب من قبل صاحبه، وإظهار هزالة جسديهما مقارنة مع جنود التنظيم، كما يلبي هذا الاسلوب غرض الإهانة وتقليل شأن الضحايا.

ورغم قساوة المشاهد وعنفها غير أن التنظيم يريد أن يؤكد أن قدرات جهازه الدعائي، أو”ديوان الإعلام المركزي” لم يتأثر بخسائر التنظيم الميدانية سواءً في العراق أوسورية، وهو لا زال يحافظ على نفس مستوى الجودة الذي أظهره قبل سنوات.