إفريقيا.. والكفاءات المهاجرة

Africa-hands

بقلم أ. محمد العقيد

الهجرة من أبرز ما يجسّد حيوية سلوك الإنسان في تحركاته البشرية Human movement، فعملية الحراك والانتقال وتدفقات الهجرة نشاط دائب غير قابل للإيقاف، وهو جزء لا يتجزأ من التاريخ البشري، وعامل من العوامل المحدّدة له.

 وقد جعل الله الكون – على امتداده – مسرحاً للحراك البشري، ومرتعاً للإنسان، ومجالاً للنظر والتبصّر والتأمل والتفكّر فيما يكون سبباً في هدايته، فأمر الناس بالانتشار في الأرض، والمشي في مناكبها، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾  (الملك : 15)، ودعاهم إلى النظر في ملكوت السماوات والأرض: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ … ﴾  (الأعراف : 185).

وقصر الإسلام الهجرة الحقّة فيما نهى الله عنه، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «… والمهاجر مَن هجر ما نهى الله عنه» (1)؛ وعلى ما كانت لله ورسوله: «… فمَن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (2)؛ توجيهاً لها إلى أسمى المعاني وأعظم الغايات، وهذه الهجرة ماضية إلى يوم القيامة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها» (3).

ومؤخراً – وفيما لا يزيد عن نصف قرن مضى إلا قليلاً – جاء الاعتراف بالحقّ في التنقّل واعتماد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ حيث نصّت المادة 13 منه على: «لكلّ فرد حقّ في حرية التنقّل، وفي اختيار محلّ إقامته، داخل حدود الدولة»، و «لكلّ فرد حقّ في مغادرة أي بلد، بما في ذلك بلده، وفي العودة إلى بلده» (4).

والهجرة الدولية International migration تُعَدّ اليوم عنصر تفاعل حيوي في حياة الإنسان، وفي تحديد ملامح التنمية الدولية؛ «فالأزمات الاقتصادية الحالية والمستقبلية، والتحولات السكانية عبر الزمن، والفجوات الواسعة والمتنامية في الأجور الدولية، والنُّظُم الاقتصادية الدولية المتزايدة، والتغيّرات المناخية، جميعها تعني أنّ الأشخاص سوف يصبحون في حالة تنقّل بأعداد وأساليب لم نشهدها من قبل» (5).

ولِمَا «تنطوي عليه الهجرة الدولية من شبكة معقدة، من المحدّدات والنتائج الديمغرافية والاجتماعية  والثقافية والاقتصادية والسياسية» (6) في عصرنا الحاضر؛ تمّ تناولها في مؤتمرات شتّى للأمم المتحدة، منها المؤتمر الدولي للسكان والتنمية الذي عُقد في سنة 1994م، والذي لا يزال برنامجه العملي يمثّل أهم الاتفاقات الحكومية العالمية بشأن الهجرة الدولية والتنمية، وتمّ إنشاء إدارات للهجرة على المستويات الدولية، والإقليمية والعالمية، لبحث أفضل السبل لإدارة عادلة للهجرة، انطلاقاً من الإقرار بكونها من حقوق الإنسان، وقام تعاون دولي يسعى لإدارة الهجرة بدلاً من تقييدها، وسنّت القوانين والتشريعات المناسبة، ووقّع كثير من الاتفاقات في ذلك.

إنّ هجرة الكفاءات أو ما يُسمّى بنزف العقول Brain drain تُعَدّ ملفاً حيوياً وحساساً؛ «حيث تصدر فيه سنوياً آلاف البحوث والدراسات المتخصصة» (77)؛ وذلك لتفاقم هجرة الكفاءات وانعكاساتها على مستقبل التنمية العلمية والاقتصادية في المجتمعات، ولتزايد آثارها على أطرافها جميعها، إضافة إلى ما يكتنف تحديدها وتحليل تياراتها واتجاهاتها من صعوبات ناجمة عن تعقّدها وتعدد أنماطها وخصائصها، مع نقص البيانات وعدم دقتها في كثير من الحالات، وهو ما يولّد مشكلة في إدارة الكفاءات، وذلك في مقابل نقصها وحدّة التنافس العالمي على اجتذابها.

ومعاناة إفريقيا لمشكلة هجرة الكفاءات والخبرات المتخصّصة (المعرفية والتقنية وغيرها) أشدّ من غيرها؛ فهي تشكّل تهديداً لعملية التنمية الشاملة في القارة بأسرها، ما يجعلها أمام مخاطر كبيرة لصعوبة تعويض تلك الكفاءات أو سدّ نقصها، بجانب كونها فقداناً لِمَا بذلته في إعدادها من جهود وإمكانات وأموال.

إنّ الوقوف على طبيعة ظاهرة هجرة الكفاءات، ودراسة أبعادها المختلفة، وبخاصة الإفريقية، هو ما يهدف البحث إلى تناوله عبر محاوره الآتية.

هجرة الكفاءات الإفريقية.. أرقام واتجاهات:

تكشف بعض التقارير والدراسات عن أرقام مذهلة لهجرة الكفاءات والعقول الإفريقية وتخصصاتها، ووجهاتها، وتزايدها المستمر، من ذلك أنّ:

– «27 ألف عالم إفريقي هاجروا من مختلف البلاد الإفريقية إلى الدول الصناعية بين الأعوام 1960م – 1975م، وأنّ العدد قد ارتفع خلال السنوات من 1975م – 1985م إلى 40 ألف مهاجر، ومع مطلع التسعينيات وصلت أعداد المهاجرين من إفريقيا إلى 20 ألف سنوياً» (8)، وأنّ «هناك أكثر من مليون إفريقي حاملين لشهادات عليا يوجدون بالغرب» (9).

– القارة تفقد – بسبب الهجرة – في المتوسط 20000 طبيب ومحاضر جامعي ومهندس، وغيرهم من المهنيين سنوياً (10).

– 54% من الأطباء، و 26% من المهندسين، و 17% من أصحاب الشهادات العلمية العليا المتخرجين من الجامعات والمعاهد العربية والإفريقية؛ يهاجرون إلى الولايات المتحدة وكندا، وأنّ نصف الطلبة الأفارقة والعرب الذين يتابعون دراستهم بالخارج لا يعودون إلى بلدانهم (11).

– خمسة بلدان من أقلّ البلدان نمواً، منها في إفريقيا: الرأس الأخضر، وغينيا، والصومال، «خسرت في السنوات الأخيرة أكثر من نصف المهنيين من خريجي الجامعات الذين رحلوا إلى بلدان صناعية بحثاً عن أوضاع وظيفية ومعيشية أفضل» (12).

– «أكثر من 22 ألف عالم جنوب إفريقي يقيمون حالياً خارج البلاد،… وأكثر من 60% من أصحاب التخصّصات العالية، ممن تخرجوا في الجامعات الوطنية، يتمركزون في ست دول غربية، هي: أستراليا، المملكة المتحدة، كندا، ألمانيا، فرنسا، والولايات المتحدة الأمريكية… ويأتي مجال الطب في مقدمة طبيعة تخصّصات هؤلاء العلماء المهاجرين للبلاد؛ فقد ترك البلاد أكثر من 30% من الأساتذة الأطباء في جامعة كيب تاون (العاصمة)، ويلي مجال الطب الصيدلة والهندسة والتربية والتجارة، وغيرها من مجالات التقنية الحديثة» (13).

– «القارة خسرت ما يقدّر بنحو 60 ألفاً من المديرين على مستويات الإدارة العليا والمتوسطة بين عامي 1985 و 1990م؛ … وقد نبّه الدكتور لالا ابن بركة، من اللجنة الاقتصادية لإفريقيا في عام 2000م، إلى ضرورة  معالجة المشكلة، وإلا فإنّ إفريقيا سوف تخلو في ظرف 25 سنة من الكفاءات» (14).

– بعض الدراسات أوضحت أنّ «المرأة الإفريقية المتعلّمة أصبحت تمثّل 44% من المهاجرين الأفارقة إلى دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادية،… وأنّ عدد المهاجرات الإفريقيات المتعلمات، في الفترة من 1990م حتى 2000م، ارتفع بنسبة 73%» (15).

– شهد السودان في السنوات الأخيرة تزايداً في أعداد هجرة الكفاءات بصورة ملاحظة، وبخاصة عام 2012م، وبلغت في العام 2013م درجة مخيفة، وخصوصاً في الأطباء وأساتذة الجامعات، والإحصاءات الآتية تعكس معدل زيادة الهجرة للفترة (2008م – 2012م)  (16):

إحصاء (1): يوضح تزايد أعداد الهجرة من السودان خلال السنوات 2008م – 2012م

                 إحصاء (2): يوضح هجرة الأطباء السودانيين خلال السنوات 2008م – 2012م

إحصاء (3): يوضح هجرة أساتذة الجامعات السودانيين خلال الفترة 2008م – 2012م

إحصاء (4): أكثر البلدان احتواء على مهاجرين دوليين، 2000م – المصدر: تقرير الهجرة الدولية، 2002م

يلاحظ من الأرقام والإحصاءات السابقة ما يأتي:

أ – الزيادة المطردة في أعداد هجرة الكفاءات الإفريقية إلى الدول المتقدّمة.

ب – تشمل هجرة الكفاءات حملة الشهادات العليا وخريجي الجامعات من الجنسين.

ج – يأتي في مقدمة الكفاءات المهاجرة: أساتذة الجامعات، الطب، الهندسة، الصيدلة، التربية، التجارة، مجالات التقنية الحديثة، مديرو الإدارات العليا والمتوسطة.

د – أبرز الدول المصدّرة للكفاءات: جنوب إفريقيا، غانا، السودان، نيجيريا، الكنغو، إثيوبيا، بوركينافاسو، كينيا، يوغندا، الصومال، الرأس الأخضر، غامبيا.

ه – أكثر الدول استقطاباً للكفاءات الإفريقية: الدول الصناعية، ودول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادية، الولايات المتحدة الأمريكية، كندا، أستراليا، المملكة المتحدة، ألمانيا، فرنسا، النمسا، ودول الخليج العربي، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية والإمارات.

هجرة الكفاءات الإفريقية.. العوامل:

تمثّل الحاجة – على اختلافها – الدافع الأساس لحراك الإنسان أو استقراره، تبعاً لفقدانها أو توافرها، وقد ساعد الواقع المعاصر على تصاعد وتيرة الهجرة العالمية، وبخاصة هجرة الكفاءات الإفريقية؛ بتوفيره عوامل كثيرة، أهمها:

– العولمة: وفروضات النظام العالمي الحديث، وسياسات الانفتاح، والنفاذ إلى الأسواق عبر المؤسسات عابرة الحدود والقارات وأنشطتها الممتدة؛ حيث برزت سوق عمل عالمية، وأصبحت «الاحتياجات المكثفة للهجرة مبنية على التحولات السريعة التي رافقت العولمة، مثل تنامي الحاجة إلى عمالة عالية ومتنوعة الخبرات والمهارات، وقد بلغت نسبة الحاصلين على مؤهلات جامعية فأعلى من المهاجرين إلى أمريكا الثلثين سنة 2000م» (17).

– ثورة التقنية: ونموّ أسواقها، حيث قدّر «أن يزداد النموّ في الفئات المهنية، مثل المهندسين ومهندسي شبكات الحاسوب، ومديري الأنظمة والمبرمجين، وما شابه ذلك، نمواً هائلاً بنسبة %45 بين عامي 2004م و 2014م… وزيادة الطلب على مهندسي الأنظمة بنسبة %55، والطلب على مطوّري البرمجيات بنسبة %68 بحلول عام 2012م» (18)، وتقدّر منظمة العمل الدولية الحاجة السنوية لدول الاتحاد الأوروبي في مجال التكنولوجيا الحديثة للمعلومات بـ 7,1 ملايين فرد (19).

– الفجوة الواسعة بين دول الجنوب ودول الشمال: وما تتمتع به الأخيرة من أوضاع اقتصادية وتنموية وتطوّر تقني، وما تتيحه من فرص في الدراسات العليا والتخصصات العلمية الأكثر تقدّماً، والبحث العلمي ووسائله، والتجريب وزيادة الخبرة، كما أنّ ظروف العمل فيها تُعَدّ وسيلة لتحقيق الطموحات العلمية.

– التنافس العالمي على الكفاءات: التي تُعَدّ ميزة تنافسية، وتمثّل الكادر المؤهّل للتعامل مع نُظُم الإدارة الحديثة، والتقنيات المتطورة، والتراكمات المعرفية وإدارتها واقتصادياتها، وقد «تنبأت مؤسسة ماكينزي منذ عام 1998م بقيام حرب على الكفاءات في دراسة استقصائية لها باسم (حرب الكفاءات) » (20).

– سياسات الدول الكبرى واستراتيجياتها تجاه الدول الضعيفة: وبخاصة الإفريقية، واستغلال مواردها المادية والبشرية، وبخاصة الكفاءات والعقول.

– انتصار المعسكر الليبرالي بعد الحرب الباردة: ما أدى إلى توسّع اقتصاديات ما يُسمّى بالمدن والحواضر الكبرى Mega-cities ، وتنافسها على جذب المهارات والكفاءات العالية من الفئات المهاجرة (211).

– علاقة بعض الدول بالهجرة بوصفها مكوّناً رئيساً في تاريخها الحديث: كبلدان أمريكا الشمالية (كندا، والولايات المتحدة الأمريكية).

– التخلّف العام الذي ورَّثه المحتل الأوروبي الدول الإفريقية: وحرصه على استدامته؛ بحرمانها خبراتها وكفاءاتها العلمية، وعدم تمكينها من التطوّر العلمي والتقني.

– ضعف الدولة الحديثة في العالم الثالث وإفريقيا: وافتقادها مقومات النهضة والتطور، فمعظمها وحدات سياسية صغيرة، ذات أنظمة هشّة، واقتصاديات ضعيفة.

– انعدام العدالة الاجتماعية: التي تتيح فرص التنافس والارتقاء دون عوائق في معظم البلدان الإفريقية.

– غياب السياسات العلمية، والتخطيط التربوي السليم للنشاط العلمي والتقني: وربط مخرجاته بحاجات المجتمع والفرص المتاحة، والعجز عن استيعاب الكفاءات.

– الصلات التاريخية والروابط الثقافية الناتجة عن العلاقات الاستعمارية القديمة في إفريقيا: فقد هاجرت أعداد كبيرة من دول إفريقيا الفرنكفونية إلى فرنسا على الرغم من إمكانية وجود مزايا أكبر في دول أوروبية أخرى (22).

– ضعف الولاء الوطني: بسبب ضعف مقوّمات المنظومة التربوية، وتمكّن روح التبعية للغرب لدى الصفوة المتعلّمة.

– ثقافة الهجرة: التي جعلت الميل إليها جزءاً من النسق القيمي للأفراد في بعض المجتمعات، وبخاصة تلك التي خضعت في فترات سابقة للاحتلال الغربي.

– التعليم العالي: وما يتيحه من فرص تحقيق التقدّم العلمي والاجتماعي، ما يجعل الأفراد أكثر استعداداً للبحث عن التغيير وتحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، وتدفعهم إلى الهجرة.

أسباب هجرة الكفاءات الإفريقية ودوافعها:

ترجع الأسباب في مجملها إلى أركان الهجرة الثلاثة (الوطن الطارد، دول المهجر، المهاجر)، وهذه الأسباب هي:

أسباب متعلقة بالركن الأول (الوطن الطارد):

– ضعف النموّ وتباطؤه في البلدان الإفريقية: فيلاحظ مثلاً أنّ «كلاً من مجموعة البلدان الإفريقية ومجموعة البلدان الآسيوية المندرجة في فئة أقل البلدان نموّاً؛ قد شهد تباطؤاً في عام 2011م، وسجلت اﻟﻤﺠموعتان كلتاهما نموّاً بمعدلات متشابهة قاربت 4%» (23).

– صعوبة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية العامّة في البلدان الإفريقية: حيث الأزمات الاقتصادية المتكررة، وقلّة الموارد المالية، وتفشّي الفقر، وعدم تكافؤ فرص العمل وقلّتها، وارتفاع نسبة البطالة، وتردي الخدمات الأساسية.

– قلّة الاهتمام بالبحث العلمي والتدريب والتطوير: وشحّ الإنفاق والموارد المخصّصة لذلك، يشير تقرير الأمم المتحدة للتنمية للعام 2002م إلى أنّ مجموع استثمار دول القارة الإفريقية في مجال البحث العلمي والتنمية لا يتجاوز 0,5% من مجموع الاستثمار العالمي في هذا المجال، وأنّ الدول الإفريقية لا يتجاوز إنفاقها على المنشورات العلمية نسبة 0,8%، إضافة لافتقار الكثير منها إلى مؤسسات معنية بالتكنولوجيا والتقنيات الحديثة.

– عدم فعالية سياسات ونظم إدارة الكفاءات وتوظيفها وتطويرها: ما يحول دون تمكّنها من ممارسة نشاطها العلمي بفعالية ومواكبة المستجدات، وعدم وجود مجالات لتخصّصات بعض الكفاءات في بلادهم، كمهندسي البترول وعلماء الذرة.

– عدم تبنّي مبادرات الكفاءات العلمية واختراعاتها: وعدم حماية الملكيات الفكرية وبراءات الاختراع؛ ما أدى إلى إهدار المعارف، وضياع الجهود العلمية.

– غياب الحريات الأكاديمية: والتضييق على حرية التعبير، وعدم احترام حقوق الإنسان، وسيادة الخوف الذي يضعف روح الابتكار والإبداع.

– الفساد الإداري: والمحسوبية في توزيع الفرص المتاحة، وفقدان الأمن الوظيفي.

– ضعف الفرص المتاحة لمشاركة الكفاءات في صناعة القرار: وتوجيه السياسات العامّة في مجتمعاتهم، بل محاربة الكثير منهم لسيادة الأنظمة الشمولية والعسكرية ذات الولاءات الضيقة.

– عدم الاستقرار السياسي، والحروب والصراعات الداخلية.

هذه الأسباب وغيرها دفعت بالكفاءات الإفريقية إلى الهروب من مواطنها إلى حيث مواطن الجذب في الدول المتقدمة (دول المهجر).

أسباب متعلقة بالركن الثاني (دول المهجر):

وأسباب الهجرة تعود في هذا الركن إلى الإغراءات الجاذبة التي تتمتع بها هذه الدول، ومن أبرزها:

– حرص الدول المتقدمة على استقطاب الكفاءات لسدّ حاجتها المتجددة والمتزايدة.

ظاهرة التقاعد المقبلة: لجيل طفرة مواليد ما بعد الحرب في أوروبا والولايات المتحدة وكندا؛ إذ «يقدّر متوسط نمو مَن بلغ الخامسة والخمسين أو تجاوزها بنسبة %4، بينما من المنتظر أن ينخفض حجم القوى العاملة من رعيل الفئة العمرية الأولى (50 – 20 سنة) بنسبة %7 حتى عام 2020م» (24).

– سياسات الدول المتقدمة ومؤسساتها لجذب الكفاءات: فاعتمدت فرنسا عدة قوانين وتشريعات، وأصدرت أمريكا (البطاقة الخضراء)، وأدخلت ألمانيا عام 20000م صيغة مماثلة لها لاجتذاب المتخصّصين في تكنولوجيا المعلومات، والمملكة المتحدة اعتمدت قوانين تسمح للكفاءات بالإقامة لمجرد أن يكون المتقدّم للهجرة صاحب فكرة يمكن أن تترجم إلى مشروع، واتخذت هولندا والسويد إجراءات لإعفاء الكفاءات الوافدة من الضرائب والأداءات، وأدخل الاتحاد الأوروبي نظام (البطاقة الزرقاء) لتيسير منح التأشيرات لأصحاب المهارات المطلوبة، كما أعدت اللجنة الأوروبية للهجرة جملة من الإجراءات تخوّل الكفاءات المهاجرة إمكانية الحصول على رخصة واحدة، تمكّنهم من العمل والإقامة في كلّ بلدان أوروبا، وتمتعها بعدة امتيازات خاصة وظروف عمل أفضل، ولدى باقي البلدان، مثل أستراليا ونيوزلندا وكندا، شكل أو آخر من هذه الأنظمة (25).

– فرص البحث العلمي والابتكار والإبداع: وتطوير القدرات في الدول المتقدمة، من ذلك «في سنة 2001م خصّصت بلدان الاتحاد الأوروبي 178 مليار يورو للبحث العلمي، والولايات المتحدة 315 مليار يورو، واليابان 143 مليار يورو، وخصّصت الصين 9% من ناتجها الداخلي الخام للبحث العلمي،… كما قرّر البرلمان الكندي رفع الموارد المالية المخصّصة للبحث العلمي سنة 2003م» (26)، ولذلك نجد أنّ نسبة الكفاءات الأجنبية العاملة في مجال البحث والتنمية في الولايات المتحدة تبلغ 52%، أي ما يعادل ثلث المختصين فيه العاملين في البلدان النامية (27).

– الحرية السياسية والاجتماعية في العالم المتقدّم: وتيسر متطلبات المعيشة، وارتفاع العائد المادي والامتيازات والخدمات المتقدّمة.

– أسباب أخرى عامّة موضوعية: بعضها مرتبط بظاهرة تحركات الإنسان، وبعضها نشأ نتيجة أعراف دولية، مثل (التبادل الثقافي) و (نقل الخبرات).

أسباب متعلقة بالركن الثالث (المهاجر):

من حيث دوافعه الخاصة، ورغباته، وطموحاته الشخصية، وما يحيط به من ظروف بيئية واجتماعية وغيرها، تدفعه إلى الهجرة.

آثار هجرة الكفاءات الإفريقية:

أولاً: من الآثار الإيجابية لهجرة الكفاءات (الهجرة والتنمية):

– تُعَدّ هجرة الكفاءات عاملاً من عوامل التنمية: إذا ما تمّت إدارتها بصورة سليمة، وتمّ توظيف مساراتها بما يتوافق مع خطط التنمية الشاملة في بلدانها.

– تساعد على نقل المعارف والخبرات إلى بلدانها وتطويرها.

– تؤدي إلى تخفيف الضغط على سوق العمل المحلية: وإتاحة فرص لتوظيف أعداد كبيرة من العاطلين في البلدان الإفريقية، وتوفير طاقات جديدة.

– تأمين المليارات من العملة الصعبة في البلدان الأصلية للمهاجرين الأفارقة: ما يؤدي إلى إنعاش اقتصادياتها.

– تسهم في تحسين الأوضاع الاجتماعية في البلدان الإفريقية، ورخاء أسر المهاجرين.

– تساعد في تعميق مبادئ التفاهم العالمي والتعاون بين الدول.

– تمثّل رصيداً إضافياً للبلدان المستقطبة للكفاءات: وتسهم في تقدّمها، فالمهني الإفريقي الذي يعمل في الولايات المتحدة يساهم في الاقتصاد الأمريكي بنحو 150000 دولار سنوياً، وفي تقديرات منظمة الهجرة العالمية أنّ الدول النامية «تدعم أمريكا الشمالية وأوروبا الغربية وجنوب آسيا بمبلغ 500 مليون دولار أمريكي سنوياً» (28).

ثانياً: من الآثار السلبية لهجرة الكفاءات الإفريقية:

– تشكّل خطورة على اقتصاديات بلدانها: وعلى مخططاتها التنموية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وبخاصة الخدمات، والتخطيط، والبحث العلمي، وتتهدد عملية التنمية الشاملة في القارة بأسرها، فهناك «ثمانية وثلاثون من 47 بلداً إفريقياً جنوب الصحراء الكبرى تقلّ الخدمات الصحية عن الحدّ الأدنى القياسي لمنظمة الصحة العالمية؛ حيث يوجد 20 طبيباً فقط لكلّ 100000 شخص» (29).

– تسبّب نقصاً إجمالياً في الكوادر العلمية المؤهلّة: والخبرات المتخصصة والنادرة (المعرفية والتقنية)، في البلدان الإفريقية، وقطاعاتها المختلفة.

– فقدت إفريقيا رصيد استثماراتها لسنوات طويلة من الإعداد والتأهيل والتدريب للكفاءات المهاجرة:  تقدّر منظمة الهجرة العالمية أنّ «بعض الدول الإفريقية والعربية تتكلف 100 ألف دولار لإعداد الفرد الواحد من الكفاءات المهاجرة،… وقد فقدت إفريقيا أكثر من 1,2 بليون دولار من الاستثمار على المحترفين الـ 60000 الذين تركوا القارة بين 1985م و 1990م» (30).

– تحمّل أعباء لتعويض نقص الكفاءات المهاجرة: فتقديرات «البنك الدولي تفيد بأنّ مائة ألف وافد من الدول الصناعية يعملون في إفريقيا بتكلفة تبلغ أربعة مليارات دولار سنوياً، وهو نفس ما أكده وزير التخطيط والتطوير الوطني في كينيا» (31).

– الآثار السيئة على الاقتصاد: لارتفاع الأجور غير المصحوبة بزيادة مماثلة في الإنتاجية، فهذا الارتفاع يسبّب التضخم، كما تؤثر عملية الهجرة في تدنّي سعر صرف العملات الوطنية (32).

– خطورة تأثيرها في الأجيال الناشئة من كفاءات الدول الإفريقية: فمعظمهم يفضلون البقاء في المهجر ولا يعودون إلى بلدانهم.

– تحدث خللاً في التوزيع العمري والنوعي للسكان: وقد تؤدي إلى تدمير جزئي للثروة البشرية، الأمر الذي يؤثر في التركيب الهيكلي للسكان والقوى البشرية في البلدان الإفريقية.

– إضعاف قوى التنمية في البلدان الإفريقية (الموارد البشرية، والقدرات المؤسسية): وكفاءة القيادة والإدارة فيها، وضعف أدائها.

– ازدياد اتساع الهوة في المجالات المختلفة: وبخاصة مجال العلم والتكنولوجيا بين إفريقيا والقارات الأخرى، وقد انخفض نصيب إفريقيا من الناتج العلمي العالمي من 0,55% في منتصف 1980م  إلى 0,3٪ في منتصف 1990م (33).

– تراجع بعض القيم الاجتماعية التقليدية: التي سادت في المجتمعات الزراعية خاصةً، وتفكّك الأسرة، وتغيّر خريطة العلاقات الاجتماعية، وتراجع دور الأبّ في عملية التنشئة الاجتماعية.

– إعادة إنتاج التخلّف في العالم الثالث، وإفريقيا خاصة: فالغرب «… يستقطب الكفاءات التي بإمكانها تطوير مجتمعاتها، لتنتهي النتائج بالإجمال لصالح الاقتصاد الغربي؛ حيث يقوم الغرب بتوظيف هذه الكفاءات لصالح الاقتصاد والمجهود الحربي والسياسي والثقافي الغربي، بل ينظر الغرب إلى القلّة الذين يعودون إلى أوطانهم على أنهم سفراء جيدون لنمط الحياة الغربي في بلدانهم الأصلية» (34).

– حدوث توترات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية في البلدان المُهاجَر إليها: وقد برزت قضايا متعددة تتعلق بحقوق الإنسان، والإدماج الاجتماعي، والأمن الوطني (35).

هجرة الكفاءات.. حلول وعوائق:

حلول لظاهرة هجرة الكفاءات:

فيما يأتي عرض لعدد من مبادرات التي تبنّتها جهات متعددة، وجدواها:

– تبنّت خطة الأنشطة لبرامج الهجرة التابعة للاتحاد الإفريقي خمسة وثلاثين نشاطاً، مع ميزانية إجمالية بقيمة 950.000 دولار أمريكي، لمدى عامين 2008م – 2009م، في إطار خمس عمليات استراتيجية، تتعلق بتنفيذ إطار سياسة الهجرة، والبحث والإعلام، والشراكة من أجل النشر والتنفيذ لسياسات الهجرة والإطار التشريعي للاتحاد الإفريقي، والأفارقة في المهجر، ومتابعة إعلان طرابلس المشترك ورصده وتنفيذه.

– اعتراف الاتحاد الإفريقي والنيباد بالشتات الإفريقي ودوره في جدول أعمال التنمية في القارة، وقيام العديد من البرامج القطرية والدولية لتسهيل الاتصال بين إفريقيا وأبنائها المهاجرين، وقد «أطلقت المنظمة الدولية للهجرة وهيئة تنمية الصناعة الماليزية في عام 2001م برنامجاً لتطوير التعاون المحتمل بين المهاجرين الأفارقة… وبلدانهم؛ من خلال تسهيل نقل المهارات والموارد من الشتات الإفريقي إلى بلدانهم الأصلية؛ استناداً إلى مفهوم تنقّل رأس المال البشري للمشاركة المؤقتة وطويلة الأجل، والافتراضية…، كما أطلقت هيئة تنمية الصناعة الماليزية مشاريع تجريبية في عدد من البلدان الإفريقية» (36).

– تزايد الوعي بين الشتات الإفريقي بمسؤوليتهم الأخلاقية والفكرية والاجتماعية للإسهام في جهود التنمية في إفريقيا، وتمّ إنشاء ست شبكات نقل المهارات وتسهيل بناء القدرات، بما في ذلك شبكة مهارات جنوب إفريقيا في الخارج(THE SOUTH AFRICAN NET WORK OF SKILLS)  (سانسا)، إضافة إلى إسهامات الأفراد من خلال الشبكات الافتراضية، وبرامج العلماء الزائرين في الاستثمار في الشركات، والمساعدة في المشاريع المشتركة بين البلدان المضيفة والبلدان المرسلة (37).

– وضع كشاف شامل للطاقات الإفريقية الموجودة في بلاد الشتات، تبنّته بعض منظمات الأمم المتحدة الدولية.

– نفّذ برنامج إعادة دمج الكوادر الإفريقية للمنظمة الدولية للهجرة التابع للأمم المتحدة، المعروف باسم  REINTERGRATION OF QUALIFIED AFRICAN NATIONALS PROGRAMME، عملية إعادة أكثر من 200 كادر إفريقي إلى 11 دولة إفريقية، وذلك في الفترة بين 1983م – 1999م، كما تبنّى البرنامج استراتيجية جديدة تركز في الإعادة المؤقتة للكوادر بدل الإعادة الدائمة، وذلك تلبية لحاجات هؤلاء العلماء.

– تطوير التعليم الجامعي، وهو ما تعمل مفوضية الاتحاد الإفريقي – بدعم من المفوضية الأوروبية – على معالجته من خلال تعزيز الشبكة الأكاديمية الإفريقية، وتنقّل الطلاب والباحثين، ومشروع جامعة عموم إفريقيا، وحدّد الاتحاد الإفريقي (التعليم العالي) بوصفه أحد المجالات الرئيسة التي سيتمّ التركيز فيها في خطة عمل العقد الثاني للتعليم بإفريقيا (2006م – 2015م).

– الإعلان عن برنامج نيريري للمنح والتنقّل، وهو واحد من اثنتي عشرة مبادرة، أطلقتها مفوضية الاتحاد الإفريقي في 2005م للمساهمة في التنمية والأداء رفيع المستوى للموارد البشرية الإفريقية، مع دعمه في الوقت نفسه للتنقل الأكاديمي فيما بين البلدان الإفريقية، والتخفيف من آثار هجرة العقول تبعاً لذلك، كما يهدف إلى تشجيع التعاون وإنشاء الشبكات بإفريقيا في مجال التعليم العالي والأبحاث.

– استراتيجية إفريقيا – الاتحاد الأوروبي المشتركة لعام 2007م، وخطة العمل الأولى (2008م -2010م) للتعاون مع إفريقيا في مجال التعليم العالي، لبناء قدرة تعليمية جامعية عالية المستوى، ودعم والابتكار، وتعزيز قاعدة الموارد الأكاديمية الإفريقية، وتشارك في تطبيق هذه المبادرة المجموعات الاقتصادية الإقليمية ورابطة الجامعات الإفريقية واتحادات التعليم العالي الإقليمية الأخرى واليونسكو.

– دعمت المفوضية الأوروبية ثلاثة برامج لتحقيق أهداف الاستراتيجية المشتركة لإفريقيا – الاتحاد الأوروبي: برنامج نيريري (للمنح والتنقّل)، برنامج إيراسموس موندوس (التنقّل بين أوروبا ومناطق العالم الأخرى؛ بما في ذلك إفريقيا)، إدولينك (مشاريع التعاون الجامعي لدول إفريقيا والكاريبي ودول المحيط الهادئ).

– ورشة العمل التشاورية بجيبوتي لمناطق الإيجاد وتجمّع شرق إفريقيا، في 7 ديسمبر 2010م، شارك فيها بعض العلماء الأفارقة المهاجرين، والمسؤولين في البلاد الإفريقية، بجانب مديري أكثر من 130 شركة عالمية عاملة في مجال التكنولوجيا، وعدد من وكالات هيئة الأمم المتحدة، أسفرت عن إنشاء شبكة دولية متخصّصة لعلماء أفارقة، معظمهم من المبدعين المهاجرين في الشتات، بوصفها جزءاً من المبادرات الهادفة لإنعاش الواقع العلمي والإبداعي في إفريقيا، وقامت بتنظيم برامج عمل ميدانية لبعض الكفاءات على أراضي بلادهم الأمّ؛ بهدف إعادة ربطهم أولاً بوطنهم الأصلي.

– قيام حكومات الدول الإفريقية بتوقيع الكثير من الاتفاقات الثنائية مع حكومات الدول الجاذبة لنسبة كبيرة من العلماء الأفارقة، للحدّ من الهجرة من خلال القنوات الدبلوماسية والسياسية (38).

– مبادرة الجامعة العربية ومفوضية الاتحاد الإفريقي؛ لإنشاء آلية مشتركة لمواجهة قضايا الهجرة محلّ الاهتمام المشترك (39).

عوائق وتحديات:

واجهت الخيارات والاستراتيجيات المطروحة لحلّ مشكلة هجرة الكفاءات، وبخاصة خيار العودة، عوائق كثيرة، منها:

أولاً: عدم مناسبة المناخ الاقتصادي، وصعوبة الأوضاع الاجتماعية، وظروف مؤسسات التعليم العالي والخدمات المهنية في كثير من الدول الإفريقية.

ثانياً: المواقف المتناقضة للدول الصناعية الكبرى تجاه الهجرة والتنمية في إفريقيا.

ثالثاً: الاستراتيجيات المنظّمة والفعالة التي تنتهجها بعض الدول المتقدّمة ومؤسساتها لتسهيل انسياب الكفاءات إليها.

رابعاً: سوق العمل في الدول المتقدّمة، واستمرار تزايد طلبها على الكفاءات.

خامساً: عجز الحكومات الإفريقية عن توفير مصادر تقنية حديثة لمتابعة مهارات الكفاءات وابتكاراتهم.

سادساً: القيود على رغبات العودة للخبراء والكوادر من قِبَل السلطات المعنية في بلاد المهجر؛ حيث يعرّض بعضها المهاجر لمخاطر؛ منها فقد الجنسية أو التصريح بالإقامة القانونية.

سابعاً: عدم اعتراف بعض الدول الإفريقية بنُظُم ازدواجية الجنسية التي تتمتع بها معظم المهارات والكوادر الإفريقية في بلاد الغرب.

ثامناً: تدنّي النظرة العامة لمكانة العلم والعلماء والتخصّصات العلمية، وعدم تقديرهم في الاهتمام الرسمي والشعبي في كثير من البلاد الإفريقية.

ولّدت هذه التحديات التي تواجه خيار العودة قناعة لدى العديد من الباحثين أنّ (خيار الشتات)، والذي يُقصد به الاستفادة من المواطنين في الخارج دون انتقالهم بالضرورة إلى بلدانهم، هو الأفضل حالياً.

خاتمة:

وختاماً للبحث؛ هذه بعض الاقتراحات التي يمكن أن تسهم في فعالية معالجة سلبيات ظاهرة (هجرة الكفاءات الإفريقية):

– تطوير سياسة إفريقية مركزية شاملة للكفاءات: لإيجاد حلول للحدّ من ظاهرة هجرة الكفاءات، ومعالجة آثارها السلبية، على أن تشارك فيها المنظمات المعنية.

– إنشاء مركز إفريقي خاص بالدراسات والبحوث العلمية حول الهجرة: وتطوير أجهزة عليا على المستوى الإقليمي، ومستوى الحكومات، لإدارة الهجرة ووضع الخطط الاستراتيجية والسياسات بشأنها، والتنسيق مع الجهات المعنية المحلية والإقليمية والعالمية، لإصدار الوثائق والأنظمة التي تنظّم أوضاع المهاجرين من العلماء وأصحاب الكفاءات، والاستفادة من التجارب الناجحة، كتجربة (جهاز المغتربين بالسودان).

– وضع سياسات وطنية مرنة: تعتمد على الحوار، والدراسات الواقعية، وتركز في مصالح الجهات المختلفة، والعمل على معالجة أسباب هجرة الكفاءات، وتعرّف أسباب إخفاق تجارب بعض الدول وخططها وبرامجها لعودة الكفاءات المهاجرة.

– تطوير أنظمة الاتصال والمعلومات وتبادلها: وعمل بيبلوغرافية شاملة للكفاءات الإفريقية المهاجرة؛ بهدف تعرّف حجمها وميادين اختصاصها وارتباطاتها وظروف عملها، وإقامة قواعد بيانات للخبراء الأفارقة بالمؤسسات على المستوى القطري والقاري والعالمي وتحديثها.

– التشخيص الدوري لحالة هجرة الكفاءات وتداعياتها: الأمر الذي يمكّن من وضع استراتيجية متكاملة وتحديثها لترشيد سياساتها، وتفعيل دورها في التنمية.

– إعادة النظر في القواعد المكرّسة في المؤسسات: ومراجعة نُظمها وإجراءاتها في إدارة الموارد البشرية، ومدى مراعاتها لمصالح أصحاب الكفاءات، وتطوير ممارسات فعّالة لإدارة الكفاءات على المستويات كافة.

– توسيع إطار مشاركة الكفاءات – بحسب اختصاصاتهم -: في التخطيط، وصنع القرارات، ووضع السياسيات، وإجراء البحوث والدراسات الفردية والمشتركة والاستشارات، ومشاريع التنمية في بلدانهم الأصلية، وذلك ضمن استراتيجية وطنية شاملة للتنمية.

– ربط النشاط البحثي والعلمي باستراتيجيات التنمية الشاملة في المجالات المختلفة: السياسية، والاقتصادية والتربوية، والاجتماعية، واعتماده مرجعية للتخطيط الاستراتيجي للدولة، وسياساتها وبرامجها ومشروعاتها التنموية.

– إعداد برامج وطنية شاملة للنهوض بالبحث العلمي: وإنشاء المزيد من مراكز البحوث التنموية والعلمية المتخصّصة في الدول الإفريقية بالتعاون مع المنظمات المعنية، وتوظيف الخبرات الإفريقية المهاجرة في الإشراف على هذه المراكز، والإسهام المباشر في إدارة أعمالها وأنشطتها، يُذكر في ذلك «إنشاء الهند لقرى علمية لتسهيل البحث العلمي في التكنولوجيات الجديدة؛ ما ساهم في التقليل من هجرة الكفاءات الهندية إلى الخارج» (40).

– إنشاء مواقع إلكترونية على المستويات كافة: مواقع وطنية ومواقع للمؤسسات ومواقع مركزية، لتوفير المعلومات عن الاحتياجات الوطنية مع ما يتوفر من كفاءات بالخارج، وإرشادها إلى الفرص المتاحة في بلدانهم الأصلية.

– التوسّع في تنفيذ سياسات التعاون البحثي، وتبادل العلماء والباحثين الأفارقة عبر الحدود: بدعم حرية تنقّلهم في بلدانهم الأصلية، وفي القارة عموماً، وتبسيط الأنظمة الإقليمية لضمان الجودة واعتماد الشهادات والبحوث العلمية.

– تشجيع الإبداع العلمي والتقني: باعتماد نظام للابتكار في جميع الدول ومؤسسات التعليم العالي، وتبنّي مبادرات المهاجرين، وإنشاء لجنة للإفريقيين الموجودين في المهجر، تختص بتنسيق مساهماتهم في العلم والتكنولوجيا بإفريقيا ودعمها.

– إنشاء قنوات التواصل مع المهاجرين، وبخاصة الكفاءات: وربطهم وأسرهم بأوطانهم ولغاتهم وعاداتهم وتقاليدهم، كالجمعيات والروابط، وإعداد برامج تلفزيونية وإذاعية خاصة بالمغتربين، وفتح المدارس الخاصة لأبنائها في دول المهجر لتعميق صلاتها ببلدانها، وتعميق روح الولاء والانتماء للوطن فيها.

– تنظيم ملتقيات ومؤتمرات علمية للكفاءات الإفريقية المهاجرة: ووضع برامج منتظمة لمشاركاتها في نقل المعرفة والتكنولوجيا، والمشاركة في تنفيذ المشروعات التنموية في بلادها.

– توفير بيئات محلية مناسبة مادياً ومعنوياً: للاحتفاظ بأعضاء هيئة التدريس في الجامعات، وإنشاء (كراسي الموهوبين) لجذب المتفوقين والاحتفاظ بهم، وتكوين روابط وجمعيات الخريجين لتوثيق علاقتهم بجامعاتهم وبلدانهم.

– تنظيم الكفاءات المهاجرة لجهودها: وتقديم الدّعم الإيجابي فكرياً ومادياً وسياسياً لمساعدة مبادرات إفريقيا وجهود التنمية في بلدانها.

وفي الرؤية المستقبلية؛ يبقى خيار عودة الكفاءات الإفريقية (مطروحاً)، تحت ضغوط تيار العولمة الجارف، وحرب الكفاءات، والمواقف المتناقضة للدول الصناعية الكبرى، وتزايد معدلات الفجوة بين تلك الدول ودول العالم الثالث، بما فيها الدول الإفريقية، في مجال العلم والتكنولوجيا، وآليات سوق العمل العالمية من جانب، و (مرهوناً) من جانب آخر بمآلات أوضاع القارة السياسية والاقتصادية والتنموية بصورة عامّة، وتحت ذلك تندرج منظومات متكاملة من الخطط والبرامج والسياسات والإجراءات والآليات الضرورية، كما اقترح في هذا المقال وفي غيره، لإحداث تغيير شامل، وإيجاد بيئة إفريقية مناسبة، تحقّق أدنى متطلبات استقرار الكفاءات، وما يعينها على العطاء والإبداع، وتقف من ورائها الإرادات بكلّ أنواعها ومستوياتها، ومهما كان النجاح في ذلك؛ فالعودة لا يمكن أن تكون شاملة، ولن تكون دائمة؛ حيث يفرض الواقع نفسه.

الإحالات والهوامش:

(1) متفق عليه.
 (2) رواه البخاري، حديث (1)، ومسلم، حديث (1907)،  (155).
 (3) رواه الإمام أحمد في مسنده، وأبو داود والنسائي في السنن.
 (4) تقرير الهجرة الدولية لعام 2002م، ص 1.
 (5) تقرير لجنة بيانات الهجرة الدولية حول أبحاث وسياسات التنمية، مارس / آذار 2009م.
 (6) تقرير الهجرة الدولية لعام 2002م، ص 1.
 (7) The truth about brain drain, http://www.moneyweb.com/
 (8) تقرير اللجنة الاقتصادية للأمم المتحدة لشؤون الهجرة… – العام 2003م.
 (9) إحصائيات منظمة – OCDE .
 (10) تقرير الأونكتاد عن أقل البلدان نمواً لعام 2007م.
 (11) إحصائيات برنامج التنمية التابع للأمم المتحدة بخصوص البلدان العربية والإفريقية.
 (12) تقرير الأونكتاد عن أقل البلدان نمواً لعام 2007م.
 (13) تقرير لشبكة مهارات جنوب إفريقيا.
 (14) تقرير الأونكتاد عن أقل البلدان نمواً لعام 2007م.
 (15) عبد السلام مارفوك، دراسة أجراها في جامعة لوفان في بلجيكا، انظر:
http://www.al–khayma.com/women/african_women_05112010.htm
 (16) مصدر الإحصاءات (1) (2) (3) أعلاه: مجلة آفاق الهجرة، مركز السودان لدراسات الهجرة والتنمية والسكان، جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج، ع 10-  يونيو 2013م، ص (21، 23، 24).
 (17) محمد علي اللطيفي: هجرة الأدمغة العربية، إهمال دولة أم إغراءات مالية، انظر:http://arabic.babelmed.net/tahqiq-sahafi/89-portraits-of-a-generation/632-2012-07-30-05-59-06.html
 (18) مايكل نبكسيل: تحديات اكتساب الكفاءات والاحتفاظ بها في عصر هجرة الكفاءات، مؤتمر المندوبين المفوضين.
 (19) محمد علي اللطيفي، مصدر سابق.
 (20) مايكل نبكسيل، مصدر سابق.
 (21) نجيب سويعدي: إدارة سياسة الهجرة وعلاقتها بصناعة القرار المحلي، دراسة مقارنة بين الولايات المتحدة  الإمريكية وكندا وفرنسا، لنيل الماجستير، جامعة قاصدي مرباح ورفلة، انظر:
 2011 ـ 2012م، http://bu.univ-ouargla.dz/Souiadi_Nadjib.pdf?idthese=320.
 (22) انظر: راوية توفيق: هجرة أبناء الشمال الإفريقي إلى أوروبا، تحليل للأسباب والدوافع، انظر: http://www.gn4partyradio.com.
 (23) الأونتكاد، تقرير أقل البلدان نمواً، 2012م.
 (24) مايكل نبكسيل، مصدر سابق.
 (25)، محمد علي اللطيفي، مصدر سابق.
 (26) مايكل نبكسيل، مصدر سابق.
 (27) محمد علي اللطيفي، مصدر سابق.
 (28) مشهور إبراهيم أحمد: هجرة الكفاءات وآثارها السياسية والاقتصادية على الدول النامية.
 (29) AinalemTebeje, Brain drain and capacity building in Africa, http://www.idrc.ca/EN/Resources/Publications/Pages/ArticleDetails.aspx?PublicationID=704
 (30) المصدر السابق.
 (31) مشهور إبراهيم أحمد، مصدر سابق.
 (32) مشهور إبراهيم أحمد، مصدر سابق.
 (33) AinalemTebeje, Brain drain and capacity building in Africa. مصدر سابق
 (34) مشهور إبراهيم أحمد، هجرة الكفاءات، مصدر سابق.
 (35) مشهور إبراهيم أحمد، هجرة الكفاءات، مصدر سابق.
 (36) AinalemTebeje, Brain drain and capacity building in Africaمصدر سابق .
 (37) AinalemTebeje, Brain drain and capacity building in Africaمصدر سابق .
 (38) مؤتمر مديري الجامعات الإفريقية الذي عقد بطرابلس – ليبيا، في الفترة من 21 – 25 أكتوبر 2008م.
 (39) انظر: تقرير عن الاجتماع الأول لمجموعة العمل الإفريقية العربية المعنية بالهجرة، 23 – 22 أبريل / نيسان 2012م، القاهرة – مصر، ص 1.
 (40) إدريس ولد القابلة: الشباب المغربي وتحدي هجرة الكفاءات، انظر:http://www.diwanalarab.com.