أنا لا أجيد كتابة الخواطر (الجزء الثاني 2/2)

1

ــ بقلم: المحفوظ ولد عبد العزيز

هي أيام قضيتها في المناطق المحررة من الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، أتيحت لي خلالها الفرصة لزيارة مستشفى “نابارا” ومدرسة الشهيد المحفوظ علي بيبا بالتفاريتي المحررة.

كثير من الإرادة والصمود، ثقة كبيرة بالله وإيمان راسخ بعدالة القضية، يُضاف إلى كل ذلك القليل من الإمكانيات المادية، هي الوصفة التي ينتهجها طبيب المستشفى ومؤطري المدرسة لتسيير مؤسساتهم.

5

تعتبر بناية المستشفى عصرية، مماثلة لمستشفى توأم بمدينة نابارا الاسبانية، رغم أنه بحاجة إلى العديد من التجهيزات، وكذا المدرسة التي تحاذي قاعة المؤتمرات، والتي لا تختلف عن مثيلاتها في مخيمات اللاجئين الصحراويين من حيث الشكل وتوزيع الأقسام.

4

في إطار إعمار المناطق المحررة، يستوجب دعم الإمكانيات المادية والبشرية للمستشفى والمدرسة، كونهما يستقبلان العديد من سكان البادية بصفة دؤوبة ومستمرة. من جهة أخرى، تعتبر الخدمات المتعلقة بالصحة والتعليم شرطا أساسيا ووسيلة فعالة لتشجيع استقرار المواطنين في مكان ما.

3

زرنا كذلك موقع “الركيز” الأثري، أو حين يمتزج التاريخ بالجغرافيا: تاريخ ملك للإنسانية قاطبة، تركه أسلافنا ممن عاشوا فوق هذه الأرض، موجود في بقعة مباركة طاهرة بدماء الشهداء الذين حرروها. في وقت ما، لم تسلم هذه الآثار من بطش من كان السبب الوحيد لوجودهم فوق هذه الأرض هو تسهيل تنظيم استفتاء تقرير المصير.

2

كانت تنقلاتنا من مكان إلى آخر تطبعها موسيقى الهول والمزاح المتبادل بين أفراد المجموعة. كما كنا نسترجع بين الحين والآخر أمجاد الثورة التحريرية الصحراوية، والأماكن ذات القيمة الرمزية الكبيرة في هذا المجال.

1

في المساء استقبلنا السيد إِسَلْمُو في خيمته في منطقة التفاريتي. هو كهل بشوش، تفوح عيناه بالكرم ويملؤ مُحيّاه الصدق والطيبة. لا تزال ابتسامته اللطيفة في مخيلتي، أتمنى أن يقرأ هو أو أحد أقاربه هاته السطور، لأعبر لهم عبرها، ومن جديد، عن فائق امتناني على كرم الضيافة وحسن الاستقبال.

زارنا بعض من سكان الخيام المجاورة، منهم حدمين، وهو شاب ظريف ومتكون، مناضل يعيش بالمهجر، يجيد فن الخطابة ويرافع بأناقة عن القضية الوطنية. ما يشد الانتباه هو إلمام أهل البادية ممن تبادلنا أطراف الحديث معهم بمستجدات القضية. وكأن لسان حالهم يقول أن البعد والعزلة لن تثنيهم عن الدفاع عن قضيتهم الأولى في كل الظروف. كان الجميع يسألنا عن تبعات انضمام المغرب للاتحاد الأفريقي، ولو أن القراءات كلها كانت تصب في إطار ضرورة مضاعفة العمل والنضال لمواجهة مخططات العدو.

في طريق العودة إلى المخيمات انتابني شعور بالحنين إلى بادية كانت الأيام القليلة التي قضيتها فيها كافية لأن أدمن على جوها وهدوئها.

هدوء البادية مريب. أهو الهدوء الذي يسبق العاصفة؟ حاولت الإنصات مرارا و تكرارا لهذا السكوت، لعلي أفكّ شفرة الرسائل التي تصدر عن المناطق المحررة في صمت كبير.

أهي بحاجة لإعمار بشري؟ أم ينقصها دعم لمؤسسات الدولة كمّاً ونوعا؟ أتريد تلك البادية الانتفاض في وجه المستعمر وجداره الفاصل؟ أم هي مشتاقة إلى الدماء الصحراوية التي كانت ترويها باستمرار؟

أسئلة لا أملك الإجابة عنها شخصيا. لعل المناطق المحررة تبعث رسائل مشخصنة لكل صحراوي حسب مجال نشاطه واختصاصه. فهي تقول للمقاتل واصل استعدادك وارفع من جاهزيتك، وللإطار كثّف نضالك بما يعود على القضية بالفائدة، وللطالب واصل دراستك لتساهم مستقبلا في بناء بلدك المستقل.

بالنسبة لي، أخذت كمّاً من تراب الأراضي المحررة لأجعله في بيتي. لقد وضعته في وعاء للنباتات، وزرعت فيه “ابرة الراعي”، حتى يكون ارتباطي بالأرض المحررة ليس معنويا فحسب، بل ماديا وحسيا كذلك.

في الحقيقة، كل من زار البادية الصحراوية، وأنا لا أشكل استثناءً بهذا الخصوص، يتمنى العودة إليها في أقرب وقت ممكن.