الخارطة المعقدة للتنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي

bachirlehsan

ــ بقلم: البشير محمد لحسن (باحث من الصحراء الغربية/ متخصص في الدعاية الجهادية)

تبنّت حركة “أنصار الدين” السلفية، هجوم الأربعاء الماضي، الذي أودى بحياة عددٍ من جنود قطاع الدرك التابع للحكومة المالية، بعد مهاجمة مسلحي الحركة مقراً للدرك المالي بمنطقة جيندوري في الشمال. و أدى هجوم آخر للحركة، يوم الجمعة الماضي، الى مقتل أربعة جنود ماليين إثر مباغتة نقطة للجيش الحكومي بمدينة منكا شمالي مالي. و عادت الحركات الجهادية الناشطة شمال مالي لتفرض نفسها في الإعلام و الأجندات السياسية و الأمنية بعد تصاعُد عملياتها العسكرية التي تستهدف قوات الجيش المالي والقوات الدولية.

و من أجل فهم الطبيعة المعقدة للحركات الجهادية الناشطة في المنطقة، لابد من تفكيك التركيبة السكانية لمنطقة أزواد، كمقدمةٍ لفهم اسباب انتشار و صمود تلك التنظيمات، و تقطن الإقليم مجموعات الطوارق المنتشرة في جميع أنحاء الإقليم تقريباً، إضافة إلى العرب، و هم ينقسمون أساساً الى قبائل البرابيش في الجهة الغربية، و قبائل كنته في الوسط و الجنوب، و الصونغاي والفلان في الجنوب و الجنوب الغربي، و يتحدث سكان أزواد خمس لغاتٍ، أولها تماشق و هي لغة الطوارق، ثم الحسانية  التي تتحدثها القبائل العربية و الصونغائية أو كوروبورو التي تتحدثها قبائل الصنونغاي و أخيراً الفلانية و هي لغة قبائل إفلان.

و قد فهِمت الحركات الجهادية النسق الاجتماعي و القبلي المُكَوّن لمجتمع أزواد من عرب، فولّان و سونغاي و تكيفت معه و وظفت ذلك خدمةً لأهدافها في البقاء و السيطرة على الأرض، مستفيدةً من ضعف تواجد الدولة المالية و شساعة الأراضي و امتدادها على آلاف الكيلومترات و تداخل الحدود الجغرافية و العرقية بين دول جوار مالي، و فيمايلي استعراض لأهم التنظيمات الجهادية الناشطة في المنطقة.

حركة أنصار الدين: تعتبر إحدى أكبر الحركات و أكثرها نفوذاً في إقليم أزواد، و هي حركة سلفية جهادية مسلحة، و قد تأسس هذا التنظيم في ديسمبر 2011، في كيدال بزعامة إياد آغ غالي، الذي ينحدر من قبيلة إفوغاس التارقية العريقة، وهو أحد الزعماء القوميين للطوارق في منطقة أزواد، و ممن خاضوا القتال ضد حكومة مالي في تسعينيات القرن الماضي ضمن صفوف “الحركة الشعبية لتحرير أزواد”. و بعد توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة المالية و المسلحين الطوارق عام 1992 تم تعيين إياد أغ، الزعيم اليساري الثوري، قنصلاً عاماً لجمهورية مالي في جدة السعودية، و قد كانت تلك السنوات كافيةً للتأثير في الرجل كي يبدأ باعتناق الفكر السلفي الجهادي، و بعد عودته إلى مالي في حدود سنة 2000 بدأ بتنظيم صفوف المقاتلين الطوارق ليشكلوا نواة تنظيم “أنصار الدين”. و تتجلى النزعة البراغماتية لدى الحركة في تحالفها مع “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”، ذات التوجه العلماني، حيث وقع الطرفان أواخر ماي 2012 اتفاقاً يقضي بتقاسم السلطة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحركات المسلحة، و اتفقت الحركتان، بموجب الاتفاق، على انشاء “المجلس الانتقالي للدولة الاسلامية في أزواد”، عقب إنقلاب 21 مارس 2012 العسكري الذي قاده النقيب امادو سانوغو و أطاح بنظام حكم الرئيس امادو توماني توري، هذا فضلاً عن التفاهمات الموقعة بين الجانبين في مفاوضات الجزائر شهر ديسمبر 2012. و لم يٌعمّر ذلك التحالف طويلاً، فبعد إحكام “انصار الدين” قبضتها على مدينة تمبكتو الاثرية اواخر شهر يونيو 2012، قامت بطرد مقاتلي “الحركة الوطنية لتحرير أزواد”. و سيطرت الحركة أيضاً، بتحالفٍ مع حركات جهادية أخرى، على مدينة كيدال الاستراتيجية في 30 مارس 2012. و بعد التدخل العسكري الفرنسي في منطقة أزواد في 11 يناير 2012 و طرد جميع التنظيمات الجهادية من المدن الرئيسية، أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية تنظيم “أنصار الدين” ضمن قائمة التنظيمات التي تصنفها “ارهابية” في مارس 2013، و قبل ذلك بشهر كانت قد صنفت مؤسس الجماعة إياد آغ غالي “زعيما إرهابيا”. و يُعد التنظيم النسخة المالية من حركة طالبان الافغانية، و ذلك بسبب توجهها القومي، حيث حافظت على هويتها التارقية، كما أن جميع قيادييها الكبار تقريباً هم طوارق. و تمتلك الحركة مؤسسة إعلامية تسمى “الرماح” و تصدر بشكل متقطع مقاطع فيديو لعمليات الحركة، كان آخرها الشريط الذي بثته المؤسسة، مطلع اغسطس الماضي، و يعرض اعترافات خمسة جنود ماليين مخطوفين لديها.

تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي: تعود جذور هذا التنظيم الى “الجماعة السلفية للدعوة و القتال” الجزائرية التي أعلنت في 24 يناير 2007 عن تغيير اسمها ليصبح “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي”، بعد موافقة زعيم القاعدة آنذاك، أسامة بن لادن، و عقب نجاح الجزائر في الحد من نشاط التنظيم بأراضيها و تراجعه و انحساره قرر الإنتقال الى شمال مالي في حدود سنة 2003، و رغم ان هجماته تركزت على الجزائر دون غيرها، غير أن مركز ثقل الحركة انتقل الى منطقة ازواد، لتصبح بذلك التنظيم الجهادي الأقدم في المنطقة و الأكثر خبرة، و الأقدر على التواصل و إقامة العلاقات مع المجتمعات المحلية و شيوخ القبائل هناك من عربٍ و طوارق. و يتزعم التنظيم حالياً عبد المالك دروكدال، المعروف بأبو مصعب عبد الودود، الذي ينحدر من مدينة مفتاح (30 كيلومتراً جنوب العاصمة الجزائرية). وهو الطالب بقسم الكيمياء بجامعة البليدة (50 كلم جنوب غرب العاصمة الجزائرية) الذي انخرط سنة 1993 في صفوف “الجماعة الإسلامية المسلحة” كخبير في صناعة المتفجرات بعد تجنيده من طرف سعيد مخلوفي، الذي يعتبر أحد المنظرين السابقين للجماعات المسلحة في الجزائر. و قد تدرج درودكال في سلم المسؤوليات بالجماعة إلى أن وصل إلى القيادة بعد أن خلف، نبيل صحراوي، على رأس  الجماعة بعد نجاح قوات الأمن الجزائرية في اغتيال الأخير صيف 2004. و تمتلك الجماعة ذراعاً اعلامية هي مؤسسة الأندلس التي تنشر اصدرات التنظيم، و قد تحالف “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الاسلامي” مع العديد من الجماعات الجهادية شمال مالي، حيث يذكر مختصون أنه ساند “أنصار الدين” في صراعها مع “الحركة الوطنية لتحرير ازواد”، كما تحالف أيضاً مع “حركة التوحيد و الجهاد في غرب افريقيا”.

حركة التوحيد و الجهاد في غرب افريقيا: اعلنت هذه الحركة عن وجودها من خلال تبنيها عملية اختطاف ثلاثة من عمال الإغاثة من مخيمات اللاجئين الصحراويين، جنوب غرب الجزائر، و هم الاسبانيين آينوا فيرناندث، من جمعية أصدقاء الشعب الصحراوي في إكستريمادورا، و إينريك غونيالون من منظمة موندو بات الاسبانية، و كذا الإيطالية روسيلا أورو من منظمة تشيسب الإيطالية. و في مقابلة مع وكالة الأخبار الموريتانية أواخر ابريل 2012 عرّف القيادي البارز في الحركة، حمادة ولد محمد خيرو، ابو العقعاع، جماعته بأنها “كسائر الحركات والجماعات الإسلامية المجاهدة في سبيل الله، ترى ضرورة تحكيم شرع الله تعالى على أرض الله تعالى بين عباد الله تعالى، وهي امتداد للحركات الجهادية كلها، كالشباب المجاهدين في القرن الإفريقي من الصوماليين، وكالقاعدة في شرق آسيا، ودولة العراق الإسلامية في العراق، وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وحركة أنصار الدين، هذه مسميات فقط ولله الحمد”، مضيفاً أن “القائمون على الحركة يرون أن ما يوجد هو اختلاف تكميلي وليس اختلاف تضاد، فقد قامت مجموعة من المجاهدين –أحسبهم كذلك ولا أزكي على الله أحدا- لديهم تجربة؛ بعضهم تجربته طويلة وبعضهم تجربته قصيرة، وأسسوا هذه الجماعة، وسموها “جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا”، وهذا الاسم كله مقصود، لأن شمال إفريقيا فيه تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، وشرق إفريقيا فيه الشباب المجاهدون في الصومال…”، و يختلف الباحثون حول هوية قيادة الحركة، فبينما يؤكد بعضهم أن القائد الفعلي هو حمادة ولد محمد خيرو، يرجح آخرون أن يكون سلطان ولد بادي و هو احد الشخصيات ذات النفوذ الواسع وسط المجتمع العربي في ازواد، فيما برز اسم ابو الوليد الصحراوي، او لحبيب عبدي سعيد، كمتحدث باسم التنظيم.

تنظيمياً، أعلنت الحركة ان جناحها العسكري يتكون من أربع سرايا و هي، سرية عبد الله عزام، سرية أبو مصعب الزرقاوي، سرية أبو الليث الليبي، و سرية الاستشهاديين. فضلاً عن تشكيل آخر يُعرف ب”كتيبة أسامة بن لادن” بقيادة عضو مجلس شورى الجماعة أحمد ولد عامر المعروف بأحمد التلمسي.

و من بين ابرز عمليات الجماعة، اختطاف سبعة دبلوماسيين جزائريين من قنصلية بلادهم بمدينة غاو في الخامس من ابريل 2012، كما تبنّت الجماعة الهجوم الذي استهدف مقراً للدرك الوطني بمدينة ورقلة الجزائرية أواخر شهر يونيو 2012 و غيرها. و تحدثت انباء عن مبايعة الحركة لتنظيم “الدولة الاسلامية” عن طريق بيان منسوب للقيادي بالحركة، حمادة و لد محمد خيرو، نُشر على المنتديات الجهادية في يوليو 2014.

كتيبة الملثمين: تُعد أهم الكتائب العسكرية التابعة ل “تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و هي تتبع لإمارة الصحراء في البنية الهيكلية للتنظيم التي يقودها أمير منطقة الصحراء يحي أبو الهمام. و كان يتولى إمارة الكتيبة، مختار بلمختار، أو خالد أبو العباس قبل أن يتم عزله بقرار من قيادة التنظيم في 12 اكتوبر 2012، و أرجعت القاعدة قرار عزل أبو العباس الى “عدم التزامه بسياسة التنظيم، وكثرة اجتهاداته المخالفة لتعليمات الإمارة”. و بعد تصاعد الخلافات مع قيادة تنظيم القاعدة أسس مختار بلمختار كتيبة جديدة أطلق عليها إسم “الموقعون بالدماء”، و قد دشنت هذه المجموعة عملياتها بالإعتداء على منشأة الغاز بعين اميناس الجزائرية (1300 كلم جنوب شرق الجزائر) في ال 16 من يناير 2013. و قد ظهر بلمختار في شريط فيديو نشر في 21 يناير 2013 يعلن تأسيس كتيبة “الموقعون بالدماء” للهجوم على القاعدة الغازية، كما أعلنت الجماعة مسؤوليتها عن الهجوم على سجن بالعاصمة النيجرية نيامي مطلع يونيو 2013، حيث أدى الهجوم الى فرار ثلاثين جهادياً.

جماعة المرابطون: أُعلن عن تأسيسها في 22 اغسطس 2013 بعد اندماج كتيبة “الموقعون بالدماء” و “حركة التوحيد و الجهاد في غرب افريقيا”. و كان التنظيمان يتقاسمان النفوذ في مدينة غاو قبل طردهما منها بعد انطلاق عملية “السيرفال”   التي قادتها فرنسا مطلع يناير 2013، و قد وقّع بيان الإندماج كل من مختار بلمختار عن “الموقعون بالدماء” و أحمد ولد عامر عن “التوحيد و الجهاد”، و تبنى التنظيم العديد من العمليات في بعض بلدان الساحل أعنفها هجوم 18 يناير الماضي و الذي استهدف مقاتلين ينتمون الى تنسيقية حركات ازواد، و هي حركة تمرد سابقة يهيمن عليها الطوارق، كما استهدف الهجوم أيضاً مجموعات مسلحة موالية للحكومة المالية و أودى بحياة اكثر من ستين شخصاً، و قبل ذلك كانت الجماعة قد هاجمت مطار غاو أواخر شهر نوفمبر الماضي.

الدولة الاسلامية: جاءت أول بيعة لتنظيم “الدولة الاسلامية” من التنظيمات الجهادية الناشطة شمال مالي، من طرف جماعة المرابطون، حيث اعلنت الجماعة في 13 ماي 2015 عن مبايعتها، ابو بكر البغدادي، و تعيين أمير جديد للتنظيم هو عدنان ابو الوليد الصحراوي، و يُعتبر هذا الاعلان أول وجود فعلي لتنظيم “الدولة الاسلامية” في منطقة أزواد. و لم يعمّر ذلك الوفاق طويلاً، حيث طفا الخلاف و الشقاق على السطح مجدداً ليتفق مجلس شورى الكتيبة على مبايعة مختار بملختار و تنظيم القاعدة و عزل ابو الوليد و إبطال بيعته لتنظيم “الدولة الاسلامية”، و عاود عدنان ابو الوليد الظهور مجدداً مطلع نوفمبر الماضي بإسم كتيبة “المرابطون” في شريط فيديو قصير بثته وكالة أعماق التابعة للتنظيم، مجدداً البيعة للبغدادي، و هو ما يعني حسم الخلاف لصالحه و تنحية خصمه، مختار بلمختار، من هرم قيادة الكتيبة.

جماعات أخرى: توجد في منطقة أزواد تنظيمات جهادية أخرى أقل نفوذاً من التي ذكرت آنفاً، على غرار تنظيم “انصار الشريعة” الذي تزعمه عمر ولد حماها، الذي ينتمي لعرب ازواد، و “حركة ابناء الجنوب من اجل العدالة الاسلامية” التي يتزعمها عبد السلام طرمون، و غيرهما. و تتسم الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة ازواد عموماً بكثرة انتقال العناصر و القيادات من جماعة الى اخرى، و هو بالاضافة الى عوامل اخرى ما يعقد من المشهد و يُصعب عملية الفهم و التمييز. و رغم كثرة الانشقاقات و تغيير التسميات و الولاءات، غير أن ضعف التواجد الحكومي بالمنطقة و صعوبة الارض جغارفياً و تعقيد و تداخل التركيبة السكانية، فضلاً عن محدودية امكانيات الدول المجاورة كلها عوامل ساهمت في انتشار تلك الجماعات و تقوية التنسيق فيما بينها بل و تقاسمها السيطرة على مدن الاقليم، و هو ما يعني أن خلافاتها لا تعدوا كونها رمزية و أن تغيير الأسماء و الشقاق لا يتعدى تبادل تكتيكي للأدوار خدمةً للهدف المشترك المتمثل في مَسكِ الأرض و السيطرة على المدن، و يعد ذلك الواقع مخالف تماماً لحال الجماعات الجهادية في المشرق العربي، حيث يقاتل تنظيم “الدولة الاسلامية” مثلاً غيره من التنظيمات الجهادية كجبهة النصرة و غيرها. و لازالت الجماعات الجهادية الناشطة في منطقة ازواد قادرة على الصمود و البقاء و إعادة توحيدِ و رصِّ صفوفها، و ذلك رغم الوجود العسكري الفرنسي الكثيف و تحالف الدول المجاورة للقضاء عليها.