حكاية من البداية

yarba

ــ بقلم: يربى المحفوظ

أثناء الاجتياح المغربي الموريتاني كانت عائلتي تقطن مدينة أوسرد، وكنت حينئذ صغيرا لكن بعض الذكريات ما تزال منقوشة في ذاكرتي كأنها حدثت البارحة.

عندما علم سكان المدينة بأن الغزو الموريتاني سوف يهاجم مدينة أوسرد غادر السكان المدينة إلى موقعين (واد الشگ 20 كلم) عن المدينة وأقاموا هناك مخيمات مؤقتة تديرها الجبهة خوفا من الغزو، ومن ثم إلى “أم أدريگة” لمن استطاع، فتناثرت الخيم في كل مكان، كان والدي رحمه الله مقاتلا في صفوف الجيش يدافع عن المدينة، وتعطل دخول الغزو المدينة بسبب المقاومة بحيث دامت أكثر من عشربن يوما؛ وعندما عاد والدي أخذني معه إلى “اسطيلت ولد بوگرين” (منطقة) رفقة قطيع من  الغنم وحمار والمؤونة، بينما باقي أفراد عائلتي ذهبوا إلى “گلب النص” باتجاه “أم أدريگة”، غير أن قوات ولد المعيوف قد التحقت بهم وبغيرهم وأعادوهم إلى أوسرد، ثم التحقوا بنا أنا ووالدي ثم قيدوه وعصبوه أمامي وذهبوا به وتركوني وحدي أنا والغنم والحمار، ولولا أن مرت بي قوة لهم تحمل معها عائلات لأكلتني الذئاب، كان ذلك قبيل الغروب فحملوني معهم إلى أوسرد.

حكى لي والدي بعد ذلك بأنهم عذبوه وهددوه بالقتل إن لم يزودهم بالمعلومات (رد لخبار) عن الجبهة، ذهبوا به إلى أوسرد وهو مقيد فأشبعوه ضربا في النهار وهو في زنزانة وفي الليل مقيد بالسلاسل هو ومن معه من الأسرى، ولولا تدخل أحمدو ولد أعلية وهو قاضي المدينة وكان موقوفا من طرف الجبهة وهو قريب لولد المعيوف الذي ألح على أن (راس الغاية عندو هو يطلسلو لمحابيس) لأحالوهم إلى نواگشوط، فوافق ولد المعيوف على إطلاق سراحهم؛ كان ذلك في أواخر سنة 1975.

كان ولد العيوف عندما تقوم الجبهة بأي عملية سواء في الجزء الذي تحتله موريتانيا أو في التراب الموريتاني يعطي أوامره للجيش (أصنادرة) بالهجوم على الساكنة في الليل بالعصي والحبال، فيدخلون على المنازل عنوة (وكانت الأبواب حينئذ لا توصد) ويضربون من فيها انتقاماً لأي عملية ضدهم؛ فلم يكن هناك لا أمن ولا أمان.

في سنة 1977 قام ولد المعيوف في أوسرد بالقبض على مجموعة من التجار واتهمهم بأنهم يجمعون التبرعات لصالح الجبهة وزج بهم في السجن ولاقوا عنده من التعذيب ما لا أذن سمعت ولا عين رأت وبقيت آثار التعذيب على أجسادهم إلى اليوم.

كان يعطي أوامره للقبض على الأطفال يهددونهم تارة ويغرونهم تارة أخرى، بل أكثر من ذلك كان ولد العيوف عندما يعتقل بعض الأسرى كان يأمر بانتقاء أحدهم ويأمر بإطلاق النار عليه حيا.

هذه هي بعض الأعمال التي كان يقوم بها ولد المعيوف عندما كان عقيدا في الجيش الموريتاني، أهذه هي البطولة التي يصفها به البعض؟

لا أعتقد أن الأخطاء التي يرتكبها الأفراد مهما كانت مسؤلياتهم يمكن أن تنسب إلى شعب بأكمله، فعندما وقعت الدولة الصحراوية مع الشقيقة موريتانيا اتفاق السلام في شهر أغسطس 1979 ولت كل الضغينة والحقد إلى الأبد وأصبحت في محله المحبة والوئام.