“البيسج” المغربي ومقال الفورين بوليسي

unnamed

ــ قسم الدراسات والترجمة في “إيكيب ميديا”

خرج عبد الحق الخيام مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني DGST  المغربي،  في لقاء مع قناة “فرانس 24” للحديث عن إنجازات جهازه الخارقة والتي مكنت من تجنيب فرنسا هجمات كانت ستلحق بها مزيدا من الأضرار.

وما لايعرفه الكثير هو أن اللقاء جاء ردا على مقال نشرته الكاتبة الصحفية ليلى جاسينتو في 7 من أبريل الجاري على موقع “فورين بوليسي” واختارت له عنوان: “المغرب الدولة المارقة هي قلب الإرهاب العالمي”.

وفي الوقت الذي أكدت فيه الباحثة والصحفية الحائزة على العديد من الجوائز في مجال تخصصها كشف خيوط العلاقة بين الارهابيين المغاربة وبين الهجمات على عوصام أوروبية، اختار الخيام الرد بتكرير نفس الأسطوانة ومهاجمته الجزائر والبوليساريو التي قال أن مائة من عناصرها التحقوا بتنظيم “داعش” الإرهابي، وإذا كان رد الخيام لا يخرج عن الدعاية والإعلام فإن مقال الباحثة يكون له الأثر على اعتبار “فورين بوليسي” أحد المراجع المهمة للسياسيين وصانعي القرار في العالم.

ونذكر قراءنا بأن موقع الفورين بوليسي صنف الأول على المستوى الدولي العام 2009 ويعتمد خطه التحريري على إثارة تساؤلات معمقة بشأن مواضيع دولية وأميركية راهنة، كما ينشر مؤشر العولمة السنوي ومؤشر الدول الفاشلة من خلال إعداد مقياس لسوء أوضاع بلدان العالم المختلفة حسب معايير منها شرعية الدولة واحترام حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون ومظالم المجموعات.

قسم الدراسات والترجمة في “إيكيب ميديا” قام بترجمة للمقال، هذا نصها كما توصل بها موقع “الصحراوي”: 

المغرب الدولة المارقة هي قلب الإرهاب العالمي 

ظلت جبال الريف في شمال المغرب حضنا لباعة الحشيش والمهربين والخارجين عن القانون لقرون، الآن باتت أرضا خصبة للجهاديين الإرهابيين في أوربا .

منذ الأسابيع الأولى بعد أن هاجم الإرهابيون العاصمة البلجيكية،  لم تضيع السلطات ولا الصحفيون معها أوقاتهم لكشف العلاقة بين هجمات بروكسل وباريس – بين مولنبيك، شاربيك وبين الضواحي الباريسية – بين مكان غير معروف هنا وبين أثار اكتشفت هناك . الخيوط التي تربط شبكة معقدة من علاقات قرابة وصداقة عبر الحدود الوطنية باتت تشبه لوحات الرسام الأميركي جاكسون بولوك المنقطة لكن مع رسالة مزعجة: تلكم خيوط ونقاط يمكن أن تقود إلى مؤامرات إرهابية دموية من التفكير إلى التنفيذ .

كشف شكل ومحتوى الخلايا الإرهابية في أوروبا هو بكل تأكيد عمل استقصائي مهم لكن دون فقدان كل تلك الخيوط التي تربط المشاهد الحضرية في أوربا ، تلال مشمسة وديان وبين مدن شمال المغرب . يجب علينا الذهاب إلى المغرب وتعقب الخيوط التي تعود بنا أجيال سابقة والى الحقبة الاستعمارية. نعبر البحر المتوسط وهو بحر يربط أكثر مما يقسم أوربا وشمال إفريقيا كي نتمكن من فهم كامل عما الذي يحفز الشبان كي يعيثوا فسادا في عواصم أوربا الغربية .

في خضم الهجمات الإرهابية التي ضربت  العديد من بلدان العالم خلال 15 سنة الماضية كان الريف حاضرا ، منطقة جبلية تقع شمال المغرب تمتد من طنجة و تطوان غربا إلى الحدود الجزائرية شرقا ، وهي منطقة فقيرة لكنها غنية بنبات الماريخوانا وبباعة الحشيش المتجولين والمهربين والسماسرة وأبطال المقاومة الذين ثاروا ضد الإدارات الاستعمارية والملوك الذين أعقبوها وكل سلطة فرضت من أعلى.

بالنسبة للأطفال الريفيين الذين انتقلوا إلى أوربا فان تلك الخلفية   لها علاقة بالتهميش ، وولوج شبكات الجريمة والتطرف لجعل تلك الفئات الضعيفة تلجأ للإعمال الارهابىة .

لربما أول خيوط العلاقة بين الريف والهجمات الإرهابية تظهر إلى الضوء كانت في العام 2004 بعد هجمات مدريد في آذار-مارس عندما تم اكتشاف أن كل المتآمرين تقريبا في تلك الهجمات كانت لهم علاقة بمدينة تطوان . وبعد ثلاث سنوات من هجمات مدريد وفي مقال لها  بمجلة النيويورك تايمز زارت اندريا اليوت  المدينة الواقعة في قلب الريف ووجدت عددا من شبابها ملهمين بتفجيرات مدريد وهم في طريقهم إلى العراق للجهاد مع تنظيم القاعدة “سلف الدولة الإسلامية “ضد القوات الأميركية.

بعد مرور قرابة العقد أدى نفس المسار السياحي الجهادي إلى هجمات باريس وبروكسل ، واحد من هؤلاء الريفيين حازوا سمعة سيئة كان نجيم لعشراوي وهو احد صناع القنابل لدى الدولة الإسلامية سافر إلى سوريا في العام 2013 حيث طور من مهارته في صنع المتفجرات لقد رأيناه جميعا : هو احد الأشخاص الثلاثة الذين التقطت لهم كاميرا مراقبة صورا وهم يجرون عربات نقل الأمتعة في مطار بروكسل صباح 22 من آذار- مارس . ادعت التقارير الأولية انه الشخص الثالث – يعرف كذلك ب”صاحب القبعة”- تمكن من الفرار.لكن الادعاء البلجيكي يقول أن العشراوي هو احد الانتحاريين الذين فجرا نفسيهما في المطار .

كان لعشراوي ريفيا و مواطن بلجيكي ترعرع في مقاطعة شاربيك ببروكسل لكنه ولد في أجدير وهي بلدة صغيرة لها تاريخ يفتخر به . المشتبه في تفجير باريس صلاح عبد السلام وشقيقه إبراهيم الذي كان احد المنفذين للهجوم الذي استهدف حانات و مطاعم في المقاطعتين 11 و 12 قبل أن يفجر نفسه أمام مطعم باريسي في 13 نوفمبر 2014 هما الآخران ريفيان نسبا.( زعيم الخلية الإرهابية عبد الحميد اباعود ليس ريفيا أسرته جاءت من جنوب المغرب) .

تراكمات المنطقة تعود لزمن بعيد . فتاريخ الريف كانت فيه معارك بين ممالك البربر ما قبل الاستعمار فاسحا المجال أمام الحروب والتمرد ضد الاستعمارين الاسباني والفرنسي .

أدى الاستقلال عام 1956 إلى انسحاب الفرنسيين والأسبان لكن الاستمرار في الصراعات على السلطة  بين نخبة مغربية جديدة وبين ساكنتها من البربر أثارت دورة أخرى من الثورات والقمع من طرف الملك محمد الخامس ومن بعده ابنه الحسن الثاني . وبسبب تمرداته فقد تمت معاقبة الريف بالإهمال لعقود .

عرف عن الحسن الثاني عدم زيارته لقصوره في طنجة و تطوان . وهمشت مؤسسات الدولة الخدمية ، وملأ الإسلاميون ذلك الفراغ بحيث انتشرت مدارس الوهابية كالنار في الهشيم خاصة في الأحياء العشوائية وضواحي المدن كتطوان .

تعرف اليوم منطقة الريف أعلى معدلات الفقر والوفيات في صفوف الحوامل وانتشار الأمية بين النساء وذلك على المستوى الوطني مقارنة بمؤشرات أدنى في باقي المغرب. وخلال حكم الملك الحالي محمد السادس فانه استثمر في المنطقة وجعلها نقطة إلى عطله، لكن تلك الهبات لم تصل إلى الريفيين العاديين.وكما أشارت اليوت في مقالها بمجلة النيويورك تايمز “إن العديد من السكان المحليين وجدوا بان سياراتهم المتهالكة لا تتناسب والطرق السيارة الجديدة آو أنهم غير مدربين للتنافس للحصول على وظائف في المنطقة التي بها منتجعات فخمة .

 

قصة عائلة عبد السلام تتناسب والنمط النموذجي الريفي ، ينحدر الأبوان من قرية بويعفر في محافظة الناظور بالريف وهي المنطقة التي هاجرا منها إلى الجزائر ومن ثم إلى الأراضي الفرنسية حيث يشتغل البربر في مزارع يملكها فرنسيون أو يستقروا بالمدن الجزائرية الساحلية التي شهدت نموا سريعا . حصلت عائلة عبد السلام على الجنسية الفرنسية في الجزائر التي كانت مستعمرة فرنسية والنتيجة أن كل أبنائها حصلوا على الجنسية كذلك. شهدت الخطوة الثانية من هجرة الريفيين انضمام الملايين بعد الحرب من ذوي المهارات القليلة في المناجم والمصانع في أوربا الغربية خلال فترة الانتعاش التي تلت انتهاء الحرب وصلت أسرة عبد السلام إلى بلجيكا في الستينيات.

وبينما وفرت أوربا فرصا اقتصادية متعددة استفاد منها الجيل الأول من المهاجرين فان الجيل الذي أعقبه قد وجد صعوبات بسبب الانكماش الاقتصادي الغير مساعد الذي شهدته القارة نهاية السبعينيات.

الصناعات البلجيكية الثقيلة ومناجم الفحم التي جذبت اليد العاملة المغربية من قراها أغلقت الآن تاركة وراءها مناطق حضرية تعاني.

ارتفع معدل البطالة في بلجيكا من 8 في المائة إلى 20 في المائة في أوساط الشباب وبالنسبة للبلجيكيين من أصول مغربية أو تركية فان العدد قد وصل إلى أربعين في المائة. لكن البطالة ليست هي العامل الوحيد المساهم في إغراء البلجيكيين المسلمين بقضية الجهاد.

بين الأقلية البلجيكية المسلمة-تقديرات بحوالي 5.9 بالمائة من مجموع السكان البالغ عددهم 11.3 مليون – يشكل المغاربة اكبر جالية ( بين 400 و 500 الف) متبوعين بالأتراك .

وبينما يهيمن المواطنين البلجيكيين  أو المقيمين من أصل مغربي على قائمة الجهاديين خلال الخمسة عشر عاما الماضية فان خبراء لاحظوا غياب الأسماء التركية في قوائم الإرهابيين .

 بخلاف فرنسا في بلاد مثل بلجيكا التي ليس لديها ماض استعماري في البلدان الإسلامية فان دوائر الاستخبارات والسياسة لا يولون اهتماما لأصول المجرمين المتحولين إلى جهاديين وهو أمر مؤسف لان الأجوبة بإمكانها المساعدة في تأطير الحلول لما كان مشاكل محلية وله آثار خارجة عن الحدود الوطنية .

لماذا لا يتأثر البلجيكيون من أصول تركية بالجهاد ؟  تختلف الأسباب في ذلك  فبالنسبة للمبتدئين هم ناطقون بالتركية وبالتالي هم اقل عرضة للاستقطاب من طرف الوهابية خلافا لأشقائهم المغاربة. ثم إن هنالك ثقافة : في آخر حوار لمجلة نيويورك للكتب يتحدث ديدييه لوروا وهو باحث بارز في الإرهاب في الأكاديمية الملكية العسكرية في بلجيكا عن “نوع معين في بناء الهوية عند الجالية التركية والذي من خلاله يلعب الإرث العلماني لمصطفى كمال اتاتورك دورا ، ثمة عامل حاسم أخر وهو كيفية اشتغال المساجد ومستخدميها مع الأئمة فتركيا ترسل أئمتها لتلبية المتطلبات الدينية لجاليتها في بلجيكا وجل المساجد التي يقصدها الأتراك البلجيكيون تديرها “ديانت” “المديرية التركية للشؤون الدينية” التي تبقى مجال السيطرة على المجال الديني في يد الدولة التركية وعلى العكس من ذلك  فان المساجد التي يقصدها مصلون مغاربة يتحكم فيها أئمة خليجيون متدربون يقول عنهم النقاد بأنهم أسسوا لشكل سلفي من الإسلام أكثر تطرفا من المدرسة المالكية المعمول بها في شمال وغرب إفريقيا .

لكن في خلفيات كل ذلك ، لايزال الريف وعامل التطرف متجليا .  

إن الدينامية التي ورثتها المنطقة من الحقبة الاستعمارية كالهدوء وسوء تسيير الإدارة و الإهمال تشبه إلى حد ما المناطق القبلية المضطربة في باكستان وكالريف الذي يعني بالعربية –حافة الأراضي المزروعة – المناطق القبلية الهامشية في باكستان تسيرها مدونة من السلوك القائمة على الشرف ، الانتقام و الكرم وعندما ينهار النظام القديم في غياب مؤسسات الدولة ينتعش الفكر الجهادي  وتزدهر الماريخونا في منحدرات الريف أو الخشخاش على طول الطريق السيار في هلمند .

تراكم الإهمال اثر حتى في الريفيين المحظوظين الذي فروا هربا من الفقر نحو أوربا ، وصل الجيل الأول إلى الجزائر التي كانت لا تزال مستعمرة فرنسية ، وبلجيكا أو البر الرئيسي الفرنسي ليجدوا أنفسهم كمقيمين في مستعمرة اسبانية سابقة ، فرنسيتهم لم تكن لتفهم ولا لغتهم الأمازيغية بل اللغة العربية .

وفي ظل تلك الظروف حملت الأعراف والتقاليد ومدونات السلوك التقليدية ، الشرف ، العدالة إلى ضواحي بروكسل وسمح لها بالنمو والازدهار .

هل ذلك عادلا أم لا، تصف السلطات البلجيكية الجالية الريفية في البلاد بالخارجة عن القانون  وب”الحاملة لثقافة قبلية أكثر عدوانية ” وهو ما يجعلها مميزة عن باقي الجاليات المهاجرة .

في مقال سياسي ثاقب بعنوان” مولنبيك كسر قلبي” كشف تيون فوتن احد سكان الحي السابقين وعضو ( البورجوازيون البوهيميون) كيف انه ومثل كل المهنيين البيض يستفيدون من إيجارات مولنبيك المعقولة انتقل به الحلم إلى آن أولاده سيلعبون مع أبناء جيرانه المغاربة في منطقة متنوعة الثقافات لكن يشير ” إن الحي بالكاد متعدد الثقافات بحيث أن 80 في المائة من سكانه من أصول مغربية ، كان وللأسف مشكلا بأسلوب متجانس . قد تكون هنالك ثقافة بديلة تنبض في الدار البيضاء ومراكش ولكن بكل تأكيد ليس في مولنبيك “.

ما لم يفهمه فوتن والكثيرون في بلجيكا كذلك هو أن الثقافات البديلة للدار البيضاء ومراكش بعيدة عن مولنبيك كبعد جبال الريف عن القصر الملكي في الرباط . وبينما ينتاب القادمون الجدد إحساس بأنهم غرباء فان المهاجرون الأوائل وأبنائهم كانت روابطهم وثيقة

.وكانت تلك العلاقات الريفية مؤسسة على مدونات سلوك تضع الكرم والقرابة فوق القانون وضعتها نخب بعيدة وساعدت صلاح وشقيقه إبراهيم عبد السلام وإخوانهم المجرمين الجهاديين على الاختباء والانتعاش .

تلكم هي أنواع الشبكات التي يجب على الأجهزة الأمنية في بلجيكا و فرنسا أن تفك شفرتها و تتسلل إليها، وحظا موفقا لهم.

أفضل طريقة لمعالجة تلك المشاكل هو تنويع الأجهزة الأمنية  وضمان عدم تعريض المهاجرين لسقف زجاجي عند سعيهم لإيجاد مكانة لهم في المجتمع الغربي .

وبينما هو مهم أن نفهم الاختلافات في الأصول – بشكل اخص عندما يتعلق الأمر بتوظيف أئمة أو التعاون الأمني بين أوربا وسلطات دول شمال إفريقيا – فانه كذلك من المهم ضمان عدم الوقوع في فخ الصور النمطية .

وغني عن القول بأنه ليس كل الريفيين جهاديين أو عرضة لارتكاب أفعال إجرامية . فمثل غالبية المهاجرين المسلمين في أوربا فان الريفيون يرون أن الدولة الإسلامية عدمية وبغيضة عن الدين الذي يطبقونه،  أوربا مليئة من الريفيين المؤهلين والمتعلمين . في هولندا على سبيل المثال عمدة روتردام احمد بوطالب هو ريفي .

بوطالب المزداد في المغرب أثار ضجة العام الماضي في المشهد الهولندي ولدى الدوائر السياسية عندما دعا الجالية المسلمة إلى مغادرة الدول الغربية إذا لم يقبلوا بالحريات التي تضمنها هذه الدول.

انه شكل من أشكال الحوار الصعب مع صديق يحترم الريفيين، لقد بححت من قول ذلك ولكن سأكرره مرة أخرى لقد حان الوقت لإشراك الجالية المسلمة في هذه المعركة وفي أعلى المستويات. فلننسى مخاوف اليمنيون البيض في أوربا واليسار التصحيحي . بإمكانهم أن يجادلوننا و أن يثوروا في صالوناتهم و استوديوهاتهم . لكن الانتصار في المعركة يجب أن يكون في الشوارع من مولنبيك إلى تطوان.