دراسة: المخزن وإشكاليات الاختفاء القسري

Med Gaoudi

دراسة للدكتور: محمد كودي (باحث صحراوي من المناطق المحتلة)

“ان الشروط المعشية جد صعبة في هذه الأماكن، لقد كان يتعين معاقبة عائلات عناصر البوليساريو… كانوا رجالا ونساءا من بينهم شيوخ يتجاوز سن بعضهم الثمانين وكذلك أطفال، محمد الشيخ توفي وعمره14 سنة، ومونة طفلة لا يتجاوز سنها 12 سنة لا أعرف مصيرها حاليا”، مقتطف من شهادة أحد حراس قلعة مكونة في كتاب “صديقنا الملك”.

تطرح ظاهرة الاختفاء القسري مجموعة من الإشكاليات المعرفية والإنسانية، وتأسيسا على ذلك يمكن أن نسائل مكونات هذه الظاهرة، تأثيراتها الفعلية أو المحتملة على تكوين السلوك السياسي للمجتمع المغربي، إمتداداتها البنيوية ضمن تراكمات البناء المجتمعي، أي عن مدى قدرتها على تكييف السلوك الفردي والجماعي حسب استراتيجية السلطة ؟ ولكن قبل هذا وذاك، يمكن أن نتساءل عن الأسباب أو الشروط الموضوعية التي تؤسس للجوء إلى هذه الآلية التدميرية، حيث أن الاختفاء القسري أو اللاإرادي يحول الإنسان إلى اللاإنسان على حد تعبير” نيال مارك ديغمون ” كما يرتبط بأشكال سرية وآليات موازية وأماكن سرية. وفي حالة المغرب هل تشكل ظاهرة الاختفاء القسري حالة تاريخية فقدت راهنتيها ام أن هلامية السلطة مجسدة في المخزن وتراكم السلطات ومركزتها وغياب أجهزة للمراقبة يجعل من ظاهرة الاختفاء القسري واقعا قائما وكامنا، حيث أن الأحداث الأخيرة أثبتت بما لا يدع مجالا للشك، مدى هشاشة القواعد والمعايير والخطابات أمام جوهر يستمر في الامتداد والتجدر. وبناءا عليه، يمكن أن نتساءل هل ظاهرة الاختفاء القسري تراجعت حقا؟ وما مبرر هذا التراجع ؟ ألا يعني ذلك فقط أن المخزن راكم من الوسائل الزجرية والقمعية ما يجعله ينأى عن آلية أصبحت مكلفة على المستوى العالمي، خصوصا في ظل الترابطات التي اصبح ينسجها هذا الأخير مع نظام العولمة؟ وهل يشكل المغرب استثناءا أم أن ظاهرة الاختفاء القسري هي ظاهرة عالمية وكونية بكل المقاييس وعملة رائجة في أغلب الدول على حد تعبير مدير الشؤون القانونية لمنظمة “هيومان رايتش واتش”.

1- الاختفاء القسري: إشكالية المفهوم وأسئلة الدلالة

بدأ استعمال كلمة “الاختفاء” لأول مرة بصورة منتظمة ومنهجية سنة 1974 من طرف منظمات حقوق الانسان ووسائل إعلام دول أمريكا اللاتينية، وبعد ذلك جرى استخدامها بشكل كبير في جهات أخرى من العالم. وخلال سنة 1978 تبنت الأمم المتحدة أول قرار لها حول الاختفاء القسري.
لاشك أن أية محاولة لمقاربة ظاهرة الاختفاء القسري تبقى مسكونة بالكثير من المخاطرات النظرية، خصوصا أن أغلب الآليات القانونية لم تتصد لتعريفها، وبالتالي فواقع التماثل مع ظواهر قد تشكل هي الأخرى انتهاكات لحقوق الإنسان،يمكن أن يؤدي للغموض أو إلى تقييمات غير دقيقة أو مغرقة في ضبا بيتها، الأمر الذي من شأنه تعويم دلالة ومفهوم الاختفاء القسري. وبشكل عام، يمكن القول أن ظاهرة الاختفاء هي حالة طبيعية في المجتمعات الإنسانية، حيث أن بعض الأفراد يمكن أن يفقدوا بعد حدوث كوارث طبيعية أو في ظروف غياب الأمن وسيادة الفوضى ويعدم بالتالي أي اثر لهم. كما انه خلال الحروب تنشغل العائلات بمصير المحاربين، إلا أنها ما تلبث أن تتوصل بأخبارهم سواء أكانت محزنة أم سارة، وفي هذه الحالة يشتركون مع عائلات المختفين قسريا في وضعية القلق والترقب، إلا أن السلطات في الحالة الأولى لا تعمل على مضاعفة معاناة العائلات. وباختصار يمكن القول أن المسؤولية الأخلاقية والجنائية للدولة تبقى قائمة وتعتبر عنصرا أساسيا في تعريف ظاهرة الاختفاء القسري، كما أنها تشكل آلية أساسية لإزاحة الغموض عن دلالة المختفي، وتميزه نظريا وعمليا عن بعض المفاهيم والاصطلاحات مثل ” الشخص المفقود” الذي يستعمل عادة أثناء النزاعات المسلحة. وأحيانا يتم استخدام هذه الدلالات بشكل تبادلي وهذا خطأ كبيرا، لأن مسؤولية الدولة غير قائمة في الحالة الأخيرة، بينما تشكل جوهر وعمق المأساة في ظاهرة الاختفاء القسري. كما أن هذه الأخيرة تشترك مع وضعيات الاختطاف واحتجاز الرهائن في الكثير من النقاط، حيث أن العائلات والأقارب لا يعرفون مصير الضحايا ومع ذلك فإن الاختطافات ا أو عمليات احتجاز الرهائن لا يمكن مماثلتها مع ظاهرة الاختفاء القسري، لأن الأولى عادة ما تستتبع بطلب صريح للمقايضة سواء أكان سياسيا أم نقديا، كما يتم تفعيل الأجهزة البوليسية للعثور على الضحايا والفاعلين وفتح تحقيقات، وهذا يتناقض مع المنطق الذي يحكم ظاهرة الاختفاء القسري. ويتعين كذلك التمييز بين الاعتقال في حالة سرية والاختفاء القسري حيث انه على الرغم من مسؤولية الدولة في كلتا الحالتين، ففي الحالة الأولى غالبا مايتم اعتقال الشخص من طرف الأجهزة الرسمية للدولة وتتوصل العائلة بوثيقة تثبت واقعة الاعتقال، إلا أن الزيارات تبقى ممنوعة، وفي حالة انتفاء هذين المعطيين الأخيرين يصبح التمييز غير عمليا.

2-المخزن السياسي وظاهرة الاختفاء القسري أو اللاإرادي:

إذا كان البحث في ظاهرة الاختفاء القسري خلال الفترة التاريخية السابقة على الاستعمار محفوفا بالمخاطر النظرية لغياب المعطيات والمرجعيات القانونية العالمية التي تدين هذه الممارسة، فان فترة الاستقلال تظهر بشكل لا يقبل الجدل أن هذه الآلية شكلت أوالية حاسمة لإدارة الحكم وتحييد أطراف اللعبة السياسية، حيث ظلت حاضرة في سلوك النخبة الحاكمة، على الرغم من وجود ترسانة قانونية تكفل نظريا كافة الحقوق الأساسية للفرد / المواطن ونشير هنا إلى دستور 1962 وقانون الحريات العامة لسنة 1958.
ابتداء من فترة الاستقلال، ستشرع المؤسسة الملكية في التأسيس لمشروعها السياسي والثقافي والإيديولوجي لإدارة المجال، يستند أساسا لهيمنة المتوحد الإيديولوجي والمقدس والاستثنائي في أعلى صوره، وبذلك ستصبح أطراف اللعبة السياسية القائمة أو المفترضة محكومة بمجموعة من الاكراهات الدينية بحيث لا تستطيع تجاوز السقف الإجماعي الذي يحكم منطق اشتغال الحقل. كل هذه المعطيات وغيرها تشكل البنية الاستقبالية لإشكالية حقوق الإنسان بشكل عام وللانتهاكات التي شهدها المسار التاريخي للمغرب السياسي بشكل خاص، ومن بينها أساسا ظاهرة الاختفاء القسري. حيث انه في ظل غياب تصور واضح لمشروع مجتمعي ينبني أساسا على دولة عقلانية ومؤسسات حداثية واقتسام للسلطة يبقى الاستثنائي في كافة صوره الغير أخلاقية واللاإنسانية أوالية لردع الاختلافات وتحييد الخصوم والتأسيس للشمولية، لأن العمق التاريخي والسوسيولوجي للمخزن يؤسس للكثير من السلوكات والمظاهر التي تتنافى مع دولة المؤسسات المحكومة بالقانون وهدا شيء طبيعي لأنه بالرجوع ” للتمثلات يعد المخزن شيئا مسكوتا عنه سياسيا، لأنه لا يعد مبدأ دستوريا أو مقولة قانونية “(1) ف”إرث المخزن يظهر وكأنه يؤسس لطريقة موازية لاشتغال الحكم(2) يستعمل المساطر القانونية أحيانا الا أنه لايقف عندها دائما، أي أن المخزن محكوم بانتهازيته في التعاطي مع الأدوات القانونية وبالتالي فالعمق التاريخي للمخزن يحول دون تكريس البعد المؤسساتي للدولة. ومن هنا يتحتم القول أن المخزن في حمولته التاريخية والسياسية يشكل النقيض الطبيعي لدولة المؤسسات والمواطنة، حيث يتماهى مع الاستثنائي في أعلى صوره ويهاب القواعد والقانونين، لأنه يرى فيهما إكراه وخضوع معممان، كما يتضمنان الحق في الاختلاف وتحديدا للمسؤوليات وأجهزة للمراقبة، والمخزن التاريخي لا يتسع صدره لكل هذا” الهذيان”. كما أن إيديولوجية الأمن و “الإجماع الوطني” التي طورها تنزع الصفة الإنسانية عن العلاقات الاجتماعية وتحول الأفراد إلى مجرد أشياء، وبذلك تنقلب وظيفة الدولة من آلية للحفاظ على أمن الأفراد إلى نقيضها، إن حقوق الإنسان ليست ثانوية فقط مقارنة مع” الأمن الوطني” كما يراه المخزن، بل هي نقيضه.في ظل هذه الشروط تطورت ظاهرة الاختفاء القسري. بناءا على هذه المقاربة يصبح إيجاد فضاءات وحدائق سرية ضرورة عملية لتدبير الاختلاف وتحييد الخصوم وتصريف التناقضات.

أ- فضاءات وحدائق سرية للرعب

شكلت الرباعية السوداء الستينات، السبعينات،الثمانينات و التسعينات المسار الحقيقي لاستراتيجية تصنع الرعب عبر ظاهرة الاختفاء القسري الاداة الموازية لادارة الحكم في غفلة من القوانين والسلوكات والمرجعيات القانونية الدينية والوطنية والعالمية. وخلال هذه الرباعية ستتعدد الفضاءات: تازمامارت، قلعة مكونة، مركز قوات التدخل السريع بالعيون، ثكنة للجيش قرب بلدية الشاطىء بالعيون،درب مولاي علي الشريف، قلعة القائد عبد الله(ناحية ورزازات)قصر أيت الشعير(ناحيةسكورة) واد المالح(ناحيةسكورة) واد أونيل(مكان يقع قرب الصحراء الشرقية)، واحة عقا( شمال واد درعة)،اكدز، تازناخت( جنوب غرب وارزازات) مزرعة منصور قرب البئر الجديد بالإضافة إلى الفيلات والمركب، ومطار أنفا ومركز المخابرات المغربية بتمارة. هذه الفضاءات السرية والمرعبة ستظل حية في الذاكرة والمخيال الاجتماعي والسياسي، فيها لاوجود للمنطق أو العقل أو الدين أو الأخلاق، فضاءات للدموع والدماء والعرق والصراخ والجنون والشهادة،أحلام موزعة بين شغب الأرض وتعنت الأفق، فضاءات في غاية السرية أو ليس هناك تلازم طبيعي بين الاختفاء القسري واستراتيجية السرية، لكن ما لذي يجعل المخزن يلجأ إلى هذه الآلية التي يستبطنها لإدارة الحكم؟ ماهي الفوائد التي يجنيها من هذا المنطق والفعل اللاعقلاني واللاأخلاقي؟

ب- الاختفاء القسري إستراتيجية للرعب

سياسة الاختفاء القسري، استراتيجية للرعب والترهيب تستمد قوتها ومغزاها من فضاء الغموض والإبهام الذي يصاحبها والدلالات الرمزية التي تؤثث المشهد الكافكاوي، حيث أن مصير المختفي قسريا يبقى مجهولا ومزاجيا وهوية المسؤولين نكرة والفضاء امتدادا هلاميا والحراس حجاجا. وهذه الاستراتيجية وبالنظر إلى الرعب غير التقليدي الذي تتضمنه، من شأنها ردع أية ممارسة احتجاجية شرعية أو غير شرعية، فهي دعوة عامة ومفتوحة للاندماج في التراتبيات القائمة والانخراط في نسق مغلق محكوم بالاستثنائي والمقدس وتيمات الرعية والراعي، أي في النظام العام المسطر سلفا. ما الذي بجعل المخزن مكرها على تقديم تبريرات أو ملابسات اعتقال هذا الشخص أو ذاك لماذا يتحمل عبئ محاكمات سياسية ؟ لماذا يتعين تحويل أشخاص عاديين أو بارزين شهداء قضية، وبالتالي تعبئة طاقات احتياطية أخرى ضمن جينيالوجيا الاحتجاج، بل أكثر من دلك، لماذا تحمل الإدانات الدولية مع ما يستتبعها من إحراج للحلفاء والأصدقاء في الغرب وإمكانية تجميد أو إلغاء بنود المساعدات والدعم السياسي ؟ مادامت سياسة الاختفاء القسري تكفل كل هذه الأشياء، فهي ممارسة في غاية المهارة والإتقان، سريعة ولا تتطلب الكثير من الجهد لا محاضر ولا محاكمات وأهميتها تكمن في كونها لا تترك أي اثر وتثير الاعتقاد لدى الآخرين ببراءة السلطة من الجريمة، إنها وسيلة دراميتيكية وجبانة لهزم الخصوم.
وتأسيسا على ذلك، يمكن القول إن سياسة الاختفاء القسري تشكل أعلى درجات العنف الممارس ليس على الضحايا فقط ولكن على العائلات،المجتمع، والانسانية جمعاء فهي تضرب البنية المجتمعية أساسا لتقضي على كافة التلاحمات الطبيعية القرابية والسياسية. كما أنها تحول المجتمع إلى ركام من الأفراد والطبقات بدون أهداف ولا ثوابت، وهي كذلك التفاف على القانون والقيم الأخلاقية الأكثر أساسية. إن اللجوء إلى ممارسات الاختفاء القسري يعني بشكل صارخ وفاضح اعتراف بانعدام المشروعية أو على الأقل تآكلها.
ترتبط السرية والاختفاء القسري بشكل طبيعي و”منطقي”، ويتم ضمان السرية من خلال العديد من الآليات والميكانيزمات، فضاءا أولا يمثل عالما مغلقا، مليئا بالرموز، وحدات على شاكلة ميليشيات عسكرية، منظمة في إطار خلايا ومرتبطة فيما بينها من خلال مكتب مركزي( حالة كاب)و مرخص لها باختطاف الأشخاص ووضعهم في فضاءات تشتغل من خلال منظومات رمزية. في هذا المجال السرية عنصرا أساسيا لاتطال فقط فعل الاختفاء القسري، ولكن كذلك الفاعل الذي تتراجع شخصيته، لتفسح المجال لرمز آخر يضيف العديد من الرهبة والإحساس بالفراغ الإنساني، ” الحاج” كلمة لا معنى لها إلا في المخيلة الدينية، الأمر الذي يعد إصرارا على تدمير كل شيء في الضحية، إنه إلإمعان في الانتقام،( كل شهادات الضحايا تشير إلى الانتقام” أنتم هنا لا لتعيشوا ولكن لتموتوا”). وتعمل عمليات الاختفاء القسري في نظر المخزن على المحافظة على مظاهر دولة القانون، مع ما يترتب عنها من دعم خارجي ومصداقية على المستوى السياسي والاقتصادي كما أنها توفر الكثير من” المحاسن” الاعتقالات بدون أدلة، التصفيات خارج المساطر القضائية. وتشير بعض الدراسات التي تم إجرائها في أمريكا اللاتينية أن الأنظمة الدكتاتورية القوية والمتمرسة لا تلجأ في الغالب إلى آلية الاختفاء القسري، لأنها راكمت الميكانيزمات الضرورية،التي تكفل لها الخضوع.وبالتالي فهذه الآلية هي بالأساس نتاج دكتاتوريات غير مضمونة في إستمراريتها أو ديمومتها، وأعتقد أن سياسة الاختفاء القسري في المغرب خلال السبعينات تندرج في هذا الإطار.

ج- العينات المستهدفة بالاختفاء القسري: الآخر

مادام المخزن له تصوره ومشروعه المجتمعي، نخبه، مريديه ومادامت الديموقراطية فريدة، والإجماع فريضة وواجب ديني والاختلاف جريمة والمنطق والعقل واحد والحقيقة واحدة والتاريخ استثنائي لا يحتمل القطائع أ وتعدد التأويلات، فان الأخر أي أخر يمكن أن يكون ضحية للاختفاء القسري. ومع ذلك هل يمكن أن نرسم صورة أو نمذجة لحالات الاختفاء القسري التي شهدها المغرب خلال العقود السابقة؟ يمكن القول إن سياسة الاختفاء القسري شملت كافة الشرائح العمرية المسننين والعجزة وحتى الأطفال، إلا أن الفئة الأكثر استهدافا هي الشباب وذلك بالنظر إلى ارتباطه النظري والإيديولوجي بالنقاشات السياسية التي همت الموقف من قضية الصحراء والمشاريع المجتمعية التي استهدفت إرساء المؤسسات في المغرب على بنيات ديموقراطية وحداثية تقطع مع الخطاب التقليدي أو التقليداني. وضمن هذا الإطار يمكن أن ندرج مناضلي حركة إلى الأمام، ولنخدم الشعب و23 مارس وبعض مناضلي اليسار التقليدي ومجموعة 26 التي كانت تضم شباب صحراوي أغلبهم من الجامعيين

وبالنسبة لحالات الاختفاء القسري في قلعة مكونة يظهر أن بعض العائلات تم اعتقالها بكامل أفرادها بما فيها الأطفال، الجد والجدة الأخوال والأعمام. وتتنوع الخاصيات السوسيو مهنية للمختفين حيث نجد التاجر والمتقاعد والجندي والطالب والتلميذ والاستاذ وربات البيوت والعاطل والراعي وبعض الحرفيين الصغار والمستخدمين وموظفي الدولة. وبشكل عام يمكن القول أن كافة الفئات السوسيومهنية لمجتمع الصحراء وجدت لها مكانا في المعتقل الرهيب لقلعة مكونة.

أما بالنسبة لمعتقل مركز قوات التدخل السريع في العيون فيمكن التمييز بين فئتين من ضحايا الاختفاء القسري، الفئة الأولى وظلت قابعة في هذا المكان الرهيب والقذر، منذ 1987 إلى 1991 واغلبهم شباب تلقى تعليمه في المعاهد والثانويات الإسبانية، كما شكل هدا المركز محطة أولية قبل الترحيل إلى قلعة مكونة أو اكدز أما الفئة الثانية فقد كانت تقضي أحيانا شهورا أو أسابيع وبعد ذلك يطلق سراحها، وهم في الغالب من طلبة الاعداديات والثانويات، وبعض رجالات التعليم. والجدير بالذكر أن هذا المعتقل لازال عمليا لحدود اللحظة وذلك حسب شهادات بعض الحقوقيين الذين تعرضوا للتعذيب بداخله. مما يشكل دليلا آخر على أسطورة خطاب حقوق الانسان.
بالإضافة إلى هذه العينات، التي عانت من ظاهرة الاختفاء القسري، نجد الجنود في معتقل تازمامارت، وبشكل عام يمكن القول أنه من الصعب وضع تنميط أو مقاربة نموذجية للفئات المستهدفة بالاختفاء القسري في المغرب حيث طال كافة الفئات السوسيو-ثقافية. والجدير بالذكر إن ظاهرة الاختفاء القسري شملت كذلك أفرادا وأحيانا مجموعات من إفريقيا السوداء، لبنان،تونس، فرنسا، ليبيا، سوريا، فلسطين

د- الاختفاء القسري بالأرقام : أية حصيلة؟

كم هي الحصيلةالفعلية لظاهرة الاختفاء القسري بالمغرب؟ أعتقد انه من الصعب الإجابة على هذا السؤال الإشكالي بالنسبة لكافة الأطراف بما فيها المخزن، حيث أنه في ظل المسار الدراماتيكي الذي شهده المغرب خلال العقود السابقة، وشيوع الاستثناء في أعلى صوره والشطط في استعمال السلطة وغياب سلطة القانون والحصار المضروب على المنظمات الوطنية غير الحكومية، وتكميم الصحافة وتواطؤ النخبة السياسية ممثلة في قيادات الأحزاب والنقابات. بالإضافة الى خوف عائلات ضحايا الاختفاءات القسرية من الانتقام، كل هذا كان يحول دون تسريب المعلومات، خصوصا في الأماكن النائية عن المركز، حيث حالات الاختطاف تبقى في دائرة مغلقة ومحدودة.
وبشكل عام يمكن القول، أن الخاصيات الذاتية والموضوعية لظاهرة الاختفاء القسري و الاكراهات التي تلازمها تجعل من الصعب إعطاء حصيلة فعلية وجازمة لعدد الضحايا، إلا في حالة توفر الإرادة السياسية للمخزن، وتوفير الإمكانيات الضرورية للبحث والتقصي والاستعانة بالخبرة العلمية في مجال البحث بواسطة الحمض النووي. ولكن قبل هذا وذاك أن يترجم المخزن خطابات الديموقراطية والحداثة وحقوق الإنسان إلى خيار استراتيجي يراكم المكتسبات في كافة المجالات و لا يكتفي بمراكمة الخطابات التي فقدت مصداقيتها. بدون هذا الشرط الضروري والحاسم يغدو تحديد حصيلة نهائية لظاهرة الاختفاء القسري أو اللاإرادي نوع من الوهم.

3- متلازمات الغياب/ الاختفاء القسري المكان: المغرب أ وأي مكان آخر

في أغلب الشهادات التي تلقتها المنظمات الوطنية غير الحكومية، نلمس حالة التشابه والتماثل بينها بشكل كبير، ويمكن اختزالها في الآتي: رجال يقتحمون فضاء العائلة، في مكان ما، عمارة أو منزل مستقل، في البادية أو المدينة، ليلا أو نهارا، في الغالب بلباس مدني وأحيانا بزي رسمي، بدون تفويض قانوني أو إداري بالاعتقال وحتى بدون الكشف عن هويتهم، واقتادوا بعض أفراد العائلة قد يكون الأب أو ا لأم أو هما معا أو أحد الأبناء أو العائلة كلها، وأحيانا يتغير الفضاء ليصبح إما مجالا للعمل أو الدراسة، اعداديات،ثانويات، أو جامعات أو في مكان عام شارع سينما مسرح…..الخ.
والملاحظ أنه على الرغم من اختلاف المظومات الثقافية والتاريخية والشروط الاقتصادية والاجتماعية والبنيات السياسة للدول فان الشهادات تأخذ بعدا عالميا لا يعادلها أو يماثلها إلا عالمية المعاناة الناتجة عن الاختفاء القسري.
بعد نهاية المرحلة الأولى من الاختطاف، يبدأ مسلسل البحث عن الضحية في المرافق الإدارية والصحية مراكز البوليس، السجون، المستشفيات إلا أن الإجابة تكون صاعقة إنكار السلطة وتهديد العائلة وأحيانا الاعتقال. ويضاعف الاختفاء القسري المعاناة سواء بالنسبة للضحايا، الذين يتعرضون لكافة أشكال التعذيب المادي والمعنوي أو العائلات التي تحاول، على الأقل في البداية،كتمان سر الاختفاء حيث أن التحرك المكشوف يمكن أن يعرضهم لانتقام الجهاز الإداري أو اعتقال أفراد آخرين من العائلة، ولما لا اغتيال الضحية وإخفاء معالم الجريمة. هذه الأسئلة وغيرها تطرح في الغالب في ظل شروط مادية ومعنوية صعبة، خصوصا إذا كان الضحية هو المعيل الوحيد للعائلة. في ظل هذه الوضعية المسكونة بعدم اليقين وكثافة الرمزي تصبح العائلة عاجزة عن إرساء استراتيجية للتكيف مع هذه المستجدات، وإذا كان الضحية هو الأب فان الأم وهي في الغالب ربة بيت / أمية تحاول إيجاد عمل لسد الفراغ المادي، إلا أنها في الغالب تجد كافة الأبواب موصدة، حيث أن المشغلين يخشون ان يطالهم غضب السلطة، كما تعاني العائلة من تراجع التضامنات الأولية وتنامي مقاطعة اجتماعية لها، حيث أن تقنية الرعب التي تمثلها الاختفاءات القسرية تستهدف أساسا ترهيب المجتمع، إنها آلية للتنشئة الاجتماعية المعكوسة أ والسلبية. وبناءا عليه، تعاني عائلات الضحايا من التهميش الاجتماعي والإقصاء الاقتصادي، الأمر الذي يعجل بانفجارها و يلتحق الأبناء بأقاربهم المباشرين( الجد أو الجدة، الأخوال أو الأعمام أو بالمراكز الخيرية). وبالنظر إلى غياب معطيات أو دراسات علمية في المغرب حول مسار ومصير أطفال المختفين قسريا يمكن الاستئناس بدراسة أنجزت في الأرجنتين وطالت 203 طفل سنهم يقل عن 12 سنة و أظهرت من خلال الفحص السيكولوجي والنفسي والجسدي أن 78/ يعانون من ” الانطواء على الذات” والانحصارات السيكولوجية و70/ من الكآبة والخوف المكثف أو المعمم وفقدان الوزن والانزعاج من أصوات معينة (سفارات سيارات الشرطة والإسعاف والأزياء الرسمية )، تراجع في التحصيل الدراسي وفي الغالب الانقطاع عن الدراسة، تضاعف الإحساس بالتبعية للآخرين خصوصا البالغين( الأم على سبيل المثال). كما أن ايقاعات المد والجزر، اليأس والأمل التي تصاحب مسلسل الاختفاء القسري تؤدي إلى استنفاذ الاحتياطي العاطفي، الأمر الذي يحول،بشكل تصاعدي، دون التطور المعنوي المتوازن للطفل. كما تم الكشف عن مجموعة من الأعراض ( عدم الاهتمام أو الإهمال، الصعوبة في التركيز الانحصارات العاطفية، الصعوبة في كبح العدوانية، عدم الإحساس بالأمن، استبطان الدولة كوحدة تهديديه وأمام إفلاس الجهاز القضائي وعدم استقلاليته وسريان الإفلات من العقاب يتمنى الأطفال أن يقتصوا لأقاربهم بأنفسهم.
وتتناقض الإشارات/ التفسيرات التي يتلقاها الطفل سواء من العائلة، الجيران، المدرسة عن سبب إختفاء الأب أو الأم وتتأرجح ما بين إدانة الجهاز الدولتي أو على النقيض إعطاؤه صورة نموذجية ومثالية، الأمر يعمل على تكثيف حالة الغموض وغياب الثوابت الأساسية لتفسير الاختفاء القسري. وتنزع عائلات الضحايا في الغالب إلى الانعزال والتهميش وذلك حماية للطفل من الإشارات والتفسيرات التي يمكن أن يتلقاها، حيث تمنعه من تكوين صداقات، وتكثر من النصائح حول عدم الخوض في موضوعات معينة الأمر الذي يضاعف من خوفه وإرهابه ويساهم بشكل كبير في انطواء الطفل على نفسه وانحصاره العاطفي والتواصلي.
في عالم الاختفاءات القسرية لاوجود ليقينيات كل شيء محتمل / افتراضي، عالم مسكون بالأسرار، المجهول، الغموض كل شيء يحتمل الحقيقة والخطأ المجتمع السلطة الوطن المعتقدات إلا شيء واحد فظاعة الجريمة المرتكبة ونذالة الجلادين.

4 – الاختفاء القسري: الحقوق المنتهكة:

بخلاف الإبادة أو التعذيب، تم تجاهل الاختفاءات القسرية، في الآليات القانونية المرتبطة بحقوق الإنسان إلى حدود 1992، تاريخ تبني الإعلان حول حماية الشخص من الاختفاءات القسرية. ومع دلك يمكن الإشارة إلى مجموعة من الحقوق المنتهكة من جراء الاختفاءات القسرية وعلى رأسها الحق في الحياة حيث أن المختفين يمكن أن يتم إعدامهم خارج المساطر القضائية أو يتعرضون للموت من جراء الإهمال أو التعذيب أو بالنظر إلى غياب علاجات ضرورية. كما يتم انتهاك الحق في الحرية وسلامة الشخص والحقوق التي تستتبعها كالحق في عدم التعرض للاعتقال بشكل تعسفي والحق في محاكمة عادلة، وحق كل شخص في الاعتراف له بالشخصية القانونية، بالإضافة إلى الحق في شروط اعتقال إنسانية، والحق في عدم التعرض للتعذيب أو لعقوبات قاسية أو حاطة من الكرامة، وكافة هذه الحقوق تم التأكيد عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتبنى من طرف المغرب. ويشكل الاختفاء القسري انتهاكا للمقتضيات الواردة في العهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسة والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب ومعاهدة جنيف 1949 والبروتوكولين الإضافيين 1977.
وتنتهك الاختفاءات القسرية الآليات التالية المتبناة من طرف الأمم المتحدة، المعاهدة ضد التعذيب والعقوبات القاسية واللاإنسانية والحاطة من الكرامة، ومجموعة المبادئ حول حماية كل شخص ضد جميع أشكال الاعتقال. وتنتهك أيضا الاختفاءات القسرية،الحق في حياة عائلية مستقرة ومجموعة من الحقوق ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية( المستوى المعيشي، تربية الأطفال في ظروف ملائمة ) كما تشكل خرقا سافرا لميثاق الأمم المتحدة الذي يعد رابطة قانونية ملزمة أخلاقيا وسياسيا لكافة الدول التي تبنته.
لقد كانت شهادة الرايس عن أهوال وبشاعة تازمامارت لحظة تعادل في زخمها وعنفوانها لحظة استقلال المغرب لأنها كانت نسخا ونفيا لكل الخطابات والاستفتاءات والانتخابات والبرلمانات والكتابات الدستورية المشرعنة وللكل المهرجانات وللأحزاب السياسية ومؤتمراتها وقادتها وللنقابية بشتى أصنافها لسبب بسيط هو أن الرعب والتعذيب والتجويع والجريمة والرذالة لا يمكن أن تتعايش أو تتساكن مع هدا العالم الجميل: دولة القانون، الاختفاء القسري كان هزيمة لشعب وأمة لأنها ” لم تدق الخزان عاليا”، وأعتقد أن هناك فرصة للانتصار على جبننا وهي الشبت بمعرفة الحقيقة كاملة غير منقوصة، وعدم الإفلات من العقاب.

1- Cherifi Rachida “ recherche sur l’Etat marocain : Le mekhzen , continuté et reptures DES droit public casa 1987 p 1
2- Leveau R ; Le sabre et le turban , L’avenir du Maghreb ed, francois bourins paris 1993 pp 84 –85
3- les disparus rapport du groupes de travail des nati