عن الشريط الوثائقي.. المغرب من الأعلى (تحليل+مقاطع فيديو)

العيون برنامج

ــ بقلم: المحفوظ عبد العزيز

في الحقيقة، ترددت كثيرا قبل مشاهدة الشريط الوثائقي المعنون: المغرب (كما يبدو) من الأعلى (السماء). كيف لا، وهذا العمل الصحفي المنحاز يدرج الصحراء الغربية ضمن اقليم المغرب، بل ويطلق عليها اصطلاح. “الأقاليم الجنوبية”.

للتذكير، بثت القناة الحكومية الفرنسية “فرانس 2” هذا الشريط نهاية شهر جوان الماضي، والذي تضمن تعليقا صوتيا لصحفي فرنسي من أصل مغربي على ما يبدو يدعى علي بادو، وصاحب هذا البث حملة شجب و استنكار من طرف أصدقاء الشعب الصحراوي، لا سيما السيد بيار غالان رئيس تنسيقية اللجان الاوربية المساندة للشعب الصحراوي.

ما شجعني و ما زاد من فضولي لمشاهدة الشريط هو ترجمته الى اللغة العربية و بثه عبر قناة M2  المغربية، أي تبنيه بصفة رسمية من طرف الدعاية المغربية.

دعونا اليوم نتطرق لهذا الموضوع، ليس من باب الاشهار، بل لنرى كيف أن الحق يعلو و لا يعلى عليه، وأن الشمس لا يمكن حجبها بالغربال. حتى الدعاية المغربية المغرضة، من حيث تدري أو لا تدري، لا يمكنها تجاوز بعض الحقائق التاريخية التي تدحض السيادة المغربية المزعومة على الصحراء الغربية. نوضح ذلك من خلال بعض الأمثلة البسيطة و المقاطع الواردة في الشريط:

الفيديو 1: العيون المحتلة:

بعد أن تحدث الصحفي عن المسيرة الخضراء المشؤومة (التي أدانها مجلس الأمن الأممي في حينها عبر اللائحتين 379 و 380 الصادرتين في شهر نوفمبر 1975) مقدما إياها “كمسيرة سلمية حررت الأقاليم الجنوبية من الاحتلال الاسباني”، تطرق الى “التطور الذي شهدته مدينة العيون، وزيادة عدد سكانها بأكثر من الضعف، مستغربا أن المدينة كانت في فترة غير البعيدة لا تتضمن الا اثار مرور قبائل من البدو”. إن هذا التعليق يصيب الدعاية المغربية في مقتل للأسباب التالية:

  • التطور والتنمية المزعومة التي شهدتها المدينة لا تعكس جزءا بسيطا من ثروات الاقليم التي ينهبها المغرب و التي كان من المفروض أن ترجع الى السكان الأصليين وفق القانون الدولي و خلاصات اللجان التعاقدية للأم مالمتحدة. لا يسعنا هنا الا استحضار المثل الصحراوي: “فضة بويا وتقسّم عليا”.
  • صحيح سيدي الصحفي، عدد سكان المدينة تضاعف في الفترة الأخيرة… لكن لماذا؟ نتيجة لاستشهاد الاف الصحراويين تحت التعذيب المغربي أو في حرب التحرير، و بالمقابل، حملات الاستيطان الشرسة التي لا تزال تطال الاقليم.
  • القول بأن مدينة العيون كانت، في فترة ليست بالبعيدة، لا تتضمن الا اثار مرور بعض القبائل من البدو فيه استنقاص كبير من الهوية الصحراوية ومن جهاد سكان المنطقة ضد مختلف الغزاة وكذا من العادات والتقاليد والثقافة الضاربة في أعماق التاريخ. بالمقابل، أشاطرك الرأي سيدي الصحفي أن مدينة العيون لم تكن قبل الغزو المغربي ولا تزال حتى الان خالية من أدنى معلم تاريخي مغربي يؤكد السيادة المزعومة على الاقليم، عكس المدن المغربية الأخرى التي تطرق اليها الشريط.

الفيديو 2: مدينة الداخلة المحتلة

  • من الحقائق المغيبة كذلك، تعرض الصحفي للمسيرة الخضراء المشؤومة باسهاب كبير، وخصص بالمقابل جزءا يسيرا من تعليقه لمدينة الداخلة الصحراوية، واصفا اياها “بالوجه الاخر من وجوه المغرب المتغير”، دون أن يوضح أن المسيرة لم تشملها ولم “تحررها” حسب تعبيره، لأن المغرب كان، آنذاك يعتبرها أرضا موريتانية ولم يطالب بها كجزء مما يسميه “ترابه الوطني”، فما هذا التناقض والتذبذب في المواقف؟ وهل تجزء السيادة؟

الفيديو 3: منطقة مرزوقة (اقليم الراشيدية بالمغرب):

لقد أتعبنا الصحفي بادعاءاته المتواصلة و دعايته المغرضة حول الصحراء الغربية. لكنه، إراديا أم لا إراديا، عندما تطرق “للاشعاع الثقافي و الحضاري للمغرب والذي كان يصل حتى نهري السنغال والنيجر” (ولما لا نهر النيل كذلك)، اعترف من حيث لا يدري أن حدود المغرب التاريخية لم تكن لتتعدى مدينة مرزوقة (اقليم الراشدية)، إذ يقول “كانت مرزوقة تبشر بالوصول الى المغرب”.. أي أن ما وراء مرزوقة يعتبر خارج نطاق المغرب. ويصف المغرب “بعالم اخر، عالم المتوسط” مما يؤكد انفصاله منذ ذاك الزمن (زمن الاشعاع الثقافي المزعوم) عن الصحراء الغربية. هنا لا يسعنا الا أن نقول أن الاعتراف سيد الأدلة.

فمهما كانت المغالطات والدعاية المغرضة، فإنها نظرا لضعفها وهشاشتها أوهى من بيت العنكبوت، ولا يمكن أن تحجب كل الحقائق، وتحمل بالتأكيد في ثناياها من حيث لا تدري، براهين تكذيبها و بطلانها.