القضية الصحراوية والتثاؤب الأممي..!!

بولسان-لحسن-575x250

ــ بقلم: لحسن بولسان

أسئلة كثيرة معلقة منذ سنوات لدى الشعب الصحراوي وخاصة بعد أن عطل المغرب كل فرص الحل العادل والنهائي ونسف كل أسس ومبادئ جميع المبادرات والتصورات والمساعي الدولية لحل قضية الصحراء الغربية طبقا لقرارات الشرعية الدولية، حتى تحولت لدى شعبها كل صيغ الطرح المختلفة منذ وقف إطلاق النار إلى يافطات تخفي وراءها حقائق مرعبة تتجاوز النيات، وتصل حد التضليل في أهدافها ومبتغاها.

في الاتجاه الأول ندرك أن هناك عيوباً صحراوية متصلة بمسار التفاوض مع النظام المغربي، أهمها وقف إطلاق النار، رغم الأسباب والحجج وحتى الظروف الموضوعية التي حتمت ذلك، إذ واصلت الأصوات رغم ضعف نبرتها، الهمس بدافع التحذير المبطن حينا والصريح أحيانا من ضرورة وضع حد لهذا الوضع حتى أصبح من يتساءل عن مبررات ذلك الإصرار الصحراوي على المفاوضات ودوافعه، هل هو العجز عن إيجاد بدائل؟ معتبرة أن مراجعة الماضي والاعتراف بالأخطاء والخطايا هما المقدمة الأولى لأي تحرك لنا وإعادة تصويب الاتجاهات.

ولكن في المقلب الآخر، لايزال السجال على أشده بشأن هيبة الأمم المتحدة وجدية إشرافها على إتمام مسار تصفية الاستعمار بآخر مستعمرة أفريقية، ولم يعد يخفي الشعب الصحراوي استياءه وخيبته من الدور الذي يصفه البعض بالمحتشم، في ضوء ما تبديه من تثاؤب واضح حيال حملات التعطيل والتفخيخ، وكيف تراخت كثييرا أمام  سلسلة الخطوات المغربية التي عرقلت وأعاقت تطبيق هذه القرارات.

هي أسئلة متعددة تطرح اليوم بحدة في الوسط الصحراوي بسبب تواضع البعثة الأممية ومحدودية تأثيرها، في إطار عشرات الأسئلة المشروعة التي تتردد بعد انتخاب الأمين العام الأممي الجديد وتعيين السيد هورست كولر مبعوثا شخصيا له إلى الصحراء الغربية.

ما بات مؤكداً لنا كما هو لغيرنا أن المعضلة التي حالت وتحول دون تطبيق تلك القرارات في حينها لا تزال في العقدة ذاتها، فالجهد الدولي لا يمكن أن يستقيم ما دام هناك من يعرج وعلى الملأ..!! وبمباركة دولة تدعي حرصها على القانون الدولي، أي فرنسا، وهي وحدها التي تتفرد بالصوت النشاز، وفي التجربة ليس هناك ما يمكن التعويل عليه  بخصوص الموقف الفرنسي حتى اللحظة، بحيث أن  التجربة مع الفرنسيين وأفكارهم توضح أن ثمة حاجز نفسي واضح، خلقته على أرض الواقع تراكمات إرث مواقف سياسية متخمة بالكثير من التجني على حق الشعب الصحراوي، وما زالت فرنسا تواصل الجري في المضمار الخاطئ، وتتمسك برؤية شاذة عن الاجماع الدولي زادت من  مناصبة الصحراويين العداء.‏. من هنا تكون لتلك الخشية مبرراتها الموضوعية، حيث التجربة المريرة التي عاشه الشعب الصحراوي ومعه العالم تثبت أن نوايا المحتل المغربي لا تتجاوز حدود مخزون الاستهلاك الاعلامي، مستفيدا من حالة التراخي والعجز والشلل التي تواجه مهمة البعثة الأممية، محاولا في كل مرة أن يعيد فيه اللعب على تناقضات المشهد الدولي بدعم فرنسي مفضوح، وحين يصبح الأمر بهذه المساومة الرخيصة، وحتى المبتذلة يحق للكثيرين الغيورين أن تعلو أصواتهم محذرة ومنبهة. وعلى ضوء هذا الحال، فإن الترحيب بالسيد كوهلر، لابد أن يقترن بطرح آليات واضحة لإعادة إطلاق عملية السلام بالصحراء الغربية، والالتزام بأسسها ومبادئها، لتجاوز الخيبات الكثيرة التي عاشتها المنطقة ولكي تكون قابلة للتطبيق.

لاشك أن تعين السيد كوهلر يعكس أن القضية الصحراوية مازات في الاهتمام الدولي، باعتبار الحق لا يزول بالتقادم  ويشكل خطوة إيجابية في الاتجاه الصحيح، ولكنها بالتأكيد تحتاج إلى خطوات أخرى أهمها الصرامة والجدية ليتحول  الموقف إلى فعل، وهي خطوات لايزال الصحراويون ينتظروهنا بفارغ الصبر، ويتطلعون إلى التعاطي معها كحقائق تحرك السياسات الفعلية للقوى الدولية الفاعلة وتحديدا أعضاء مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي، ويبقَ الرهان الصعب متوقفاً على مدى إلزام المغرب بهذه الآليات ومنع فرنسا من الاستمرار في لغة التسويف والمماطلة التي اعتادتها عبر السنوات الماضية، وربما سيكون ذلك هو الاختبار الأكثر صعوبة لجدية المساعي الأممية ومساحة اهتمامها بحل عادل ونهائي لنزاع الصحراء الغربية طبقا للشرعية الدولية، ومن هنا لابد من النظر إلى التعنت المغربي اليوم والموقف الفرنسي، كخطر محدق بصورة الأمم المتحدة ودورها في تطبيق القانون الدولي؛ وهذا ما نعتقد أنه منوط بالأمين العام للأمم المتحدة الجديد الذي تقتضي مهمته ودوره أن يعيد النظر في الكثير من الاستطالات المرضية التي برزت في عمل بعثة المينورسو، فكيف يعقل أن تكون هذه البعثة الوحيدة الأممية التي لا تراقب وضع حقوق الإنسان، حفاظاً على ما تبقى من مصداقية للأمم المتحدة، ومنعاً لتآكل البقية الباقية أو النتف المتناثرة من الثقة بالمنظمة وعملها ودورها.

ولأن الصحيح يجب أن يصح أخيراً، فإن سنوات الحرب الستة عشر الماضية وأكثر من ربع قرن من المفاوضات المباشرة والغير مباشرة علمتنا ألا سبيل إلى تجاوز حق الصحراويين ولي أعناقهم وتزييف إراداتهم مهما طالت معاناتهم، وما هو ثابت ومؤكد بالنسبة لنا أن الأمر هو رهان الحياة والوجود، نكون أو لانكون، وأن الشعب الصحراوي له مساحات كبرى وخيارات واسعة لا تقتصر فقط على الخيار السلمي، بل هي أبعد من ذلك بكثير، كما يمتلك أوراقاً يدرك جيداً الحدود والسقوف التي يمكن أن تطالها، وإذا حاولوا تناسيها وتجاهلها، فإنه يعود فقط إلى الهروب إلى الأمام. ونتمنى ألا يخطئ السيد كوهلر الحسابات التي جرّت خلفها المغالطات المغربية والفرنسية والتي عليها أن تدرك اليوم  الأبعاد التي تحكم العلاقة بين نبض الشعب الصحراوي والقرار السياسي لجبهة البوليساريو وما راكمت هذه الأخيرة من تجارب قادرة على توظيفها للقطيعة مع الماضي وتضع حدا نهائيا لحسابات تحولت لدى البعض إلى أوهام.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *