كحلوش لم يتغير!! (قصة قصيرة)

sid-620x330

ــ بقلم: السيد حمدي يحظيه

حين أراد أن يترك، مكرها، حقول القتال الرمادية ليلتحق بحقول الزيتون الخضراء في الجنوب الإسباني بدأ يبحث في مفكرة ذهنه عمن يمكن أن يستقبله خاصة من رفاق حقول المعارك والألغام؛ يصعد إلى خياله صديق ذاب ذات يوم في الغبار ولم يعد، حتى اسمه الحقيقي لا يتذكره، كان قد انطمر تحت أسماء حركية عديدة “الكحلوش”، “لمصدي”، “الكوشة”، “شكراد”… البحث المضني قاده إلى رقم تلفونه.. أعطاه له رفيق وهو يقول له كمن يفشي سرا “يقولون أنه تزوج من إسبانية”.

لم يصدق.. كلحوش، لن يخرج من جلده، لن يغسل ماضيه، ولن يبدل أي شيء من عاداته.. الصخرة لا تستطيع أن تتغير تبعا للظروف المناخية.. وبالكاد استخرج له صورة من باطن الماضي: شاب ترك الدراسة مفضلا القتال وتحرير الصحراء.. واليوم الذي دخل فيه أول معركة تحول إلى أسد. كان في المقدمة يقسم أن الرصاص لن يقتل.. وحين استشهد صديق قربه قال لرفاقه: “لم يقتله الرصاص، لكن حان أجله”.

كل المعارك التي خاضها كان أسدا.. شهادة للجميع.. لكن خارج المعركة هو إنسان لا هو حي ولا هو ميت.. يقضي الليل ساهرا يدخن طوبته السوداء، يعد الشاي وفي النهار ينام حتى المساء، كان ينام اليوم كله محتضنا بندقيته، في الكثير من المرات كان بعض الرفاق يظن أنه ميت، لكن حين يهزونه يستيقظ ليسبهم وينام من جديد؛ الكثيرون كانوا يحاولون سرقة بندقيته منه وهو نائم لكن كان يستيقظ.. ذات يوم ذهب في رخصة بعد وقف إطلاق النار ولم يعد، ذهب يبحث عن السراب، الخبر الوحيد الذي تداوله الرفاق لبعض الوقت أن إسبانيا ابتلعته في جوفها من ضمن ما ابتلعت من الصحراويين وانتهى؛ لم يتذكره أحد أو يحزن لرحيله، فقط قالوا: “كان انتصارا في المعركة وكان هزيمة خارجها”، ونسوه، بل أن بعضهم فرح لرحيله؛ بعد وقف إطلاق النار أصبحت مشاكله أكبر من فائدته، يقضي النهار نائما، لايشارك في المهام، ويستهلك نصيب الجماعة من الشاي و”منيجة” (التبغ) في يومين.

هو الآن رقم مهم في أجندة الهجرة لهذا الذي يبحث عنه، ورقم تلفونه سيحل بعض المشاكل، صورته لا تريد أن تغادر الذاكرة رغم هروب الزمن إلى الأمام، شعره ملفوف لم يمسه مشط، أسنانه متآكله مسودة كلها وعلى وشك السقوط، “الطوبة” الصدئة لا تفارق فمه، “صرة منيجة” (خزنة التبغ) المسودة هي الأخرى مرمية بجانبه وبندقيته، براد الشاي فوق الجمر.

سيعرفه لا محالة.. المشكلة هل سيرد أم لا على التلفون… كيف أصبح بعد أكثر من عشر سنوات في المهجر، وهل حقيقة أنه تزوج إسبانية؟ لو ا مغامرة الزيتون هذه لما خطر على الذاكرة المتعبة.. سيبقى منسيا.

رن تلفونه عند أول محاولة.. أخذه هو عند أول رنين.. الصوت ليس صوته إطلاقا إلا إذا كانت الغربة قد صقلته… لكن كيف سيكون؟ عشر سنوات ليست عشر دقائق.. في الغربة، بعد عشر سنوات إما أن تتحول إلى واحد من تلك البلاد أو تعود إلى بلدك.

في التلفون قال له المهاجر الجديد: “أهلا كحلوش، أنا فلان بن فلان، كنت معك في الناحية، إنني في المحطة وهذا رقمي”.

رد كحلوش: عشر دقائق وسأكون عندك.

عشر دقائق مرت كعشر ساعات.. هناك صحراويون في المحطة في تلك اللحظة، لكن كانوا مشغولين بالنظر إلى لوحات القطارات ولا وقت لديهم للسلام الطويل.. امرأة إسبانية تسألهم عن اسم ما، لكن يجيبون بالنفي؟ تقف أمامه لتسأله من هو؟ ¿Eres fulano? ¿conoces a Kahluch

ــ Sí, sí

أمرته بإشارة من يدها أن يجلس على كرسي المحطة البارد.. قال في سره: “هي زوجته إذن. صدق الذي أعطاني الرقم.. لكن لا عليه، أنا في هذه اللحظات العصيبة أحتاج حتى للشيطان”؛ ونظر إليها خلسة وهي تتكلم في التلفون.. بسبب بهرج المكياج لم يعرف هل هي شابة أم امرأة متقدمة في السن.. نظر إليها مرة أخرى، لكن لم يخرج بنتيجة.

جاء كحلوش بعد انتظار ليعانقه، لكن حدثت المفاجأة.. هذا الكحلوش الجديد لا وجه شبه بينه وبين الذي يعرف… صوت ناعم، شعرٌ ممشوط  ومنظم بعناية، أملس، نظارات سوداء.. حين ابتسم ظهر طقم من الأسنان أبيض ناصع.. أسنان لامعة حلت محل الأسنان القديمة التي كان التسوس يهدمها يوما بعد يوم.. أثر شظية القنبلة الذي كان في شدقه اختفى تماما.. الثألول الذي كان يملأ يديه منتصرا تمت هزيمته وانسحب.. وحين نزع النظارة كانت عيناه تلمعان، وحتى التجاعيد التي كانت تملأ جبهته بسبب الشمس وكثرة التقطيب غابت.

لكن مع ذلك عانقه بحرارة مثلما كان يفعل دائما… وهما يجلسان على طاولة في المقهى أشعل كحلوش سيجارة استخرجها من علبة مذهبة.. لا أثر لـ”منيجة” ولا للطوبة الصدئة التي كانت تحرق شفتيه قديما ويخرج منها، حين ينظفها بمسمار، سائلا مثل القطران.. الشاي حلت محله القهوة… بدأ كحلوش يتدفق: أين فلان وفلان؟.. سمعت أن الكثير منهم في إسبانيا، لكن لم التقِ بأي منهم.. كيف حال الناحية؟.. سمعت أن جيلا جديدا حل محل الجيل القديم.. منذ عشر سنوات لم أزر المخيم.. بدأ يتحدث عن الأيام الخوالي وعن المعارك التي شارك فيها، وعن مشاجراته الكثيرة مع الذين كانوا يحاولون إيقاظه في النهار.. وسأل هل لا زالت بندقيته في “مكازة” (مخزن) الناحية أم لا، وهل لازال ملفه عند مصلحة الأفراد؟.. وضحك، وحتى الأسماء التي كانوا ينادونه بها لا زال يتذكرها: كلحوش، لمصدِّي، الكوشة.. ويضحك من جديد.. ثم يبدأ: “عندي في الدار أدوات الشاي، لكن لا أتناوله الآن.. في ركن خاص لا زلت أحتفظ بطوبتي وبـ”صرة منيجة”، وحتى أسناني السوداء التي غيَّرتها لازلت أحتفظ بها”.. ويضحك.

كانت المرأة تستمع بأدب جم دون أن تفهم ما يقولان؛ هي الأخرى تدخن من حين لآخر، لكن بصمت.. ويعيد صاحبنا اختلاس النظر إليها ليعرف هل هي شابة أم كلهة، لكن يفشل من جديد.. ويتذكر بندقيته التي كان يضع بجانبه حين ينام… الفرق كبير بين تلك البندقية التي صدئت بفعل وقف إطلاق النار وبين هذه الإسبانية، الزوجة الشرعية لكحلوش.

ويفهم كلحوش أن صديقه يريد تحديد عمر زوجته فيقول له وهو يرتشف آخر قطرة من قهوته: “حتى لو بقيت معها عشر سنوات، سوف لن تعرف هل هي شابة أم كهلة.. إنها مثل أوروبا، مثل إسبانيا تماما” وضحك.

انتهت القهوة وحان وقت الجد.. قاده كلحوش إلى ركن في المحطة وخيَّره بين أمرين: إذا أردت أن تسكن مرحبا بك في دارك وإذا أردت أن تسافر فها هو المال.. سيكفيك حتى تتدبر أمرك.

كلحوش لم يتغير..