فنجان محمد السادس!

1511977101560395500

ــ بقلم: بلاهي ولد عثمان

قبل أن يذهب الملك المغربي إلى العاصمة الإفوارية أبيدجان لا بد أن يمر على قارئة فنجانه ويشرب عندها قهوة سوداء وتتودد له قارئة فنجانه (باش تعطيه لحجاب) في غرفة مظلمة مفروشة يضيئها مصباح خافِة في إحدى الزوايا داخل بناية عتيقة بأحد أحياء مراكش القديمة.

لابد أن تقرأ تلك المرأة ذلك الفنجان المقلوب على أمره والذي لا يمكن أن يقرأه إلا من يعرف تفكيك طلاسيم تلك الخطوط السوداء سواد عيشة المغاربة.

عند أول نظرة لمحت شعبا مقهورا وحقدا مدفونا وحقا مهضوما وسجينا مظلوما وقهرا في كل شارع معلوم.

وترددت في قراءة ذلك الفنجان المقلوب.

حدقت بعينيها في صاحب الفنجان المختبئ رغم الظلام وراء نظاراته السوداء.

قالت: “بصرت ونجمت كثيراً، لكني لم أعرف أبداً فنجاناً يشبه فنجانك”.. لم أعرف أبدا أحزابا تشبه أحزابك ولا برلمانا يشبه برلمانك”.

تأملت جانبا آخر من ذلك الفنحان ورفعت بصرها إلى أعلى وأخذت نفسا عميقا، وقالت: “شعب بريء ووطن محتل وشباب يضيع ونساء تسحل وأقوام يتدافعون وجيش مدجج وحوت ونحاس وفوسفات وخيرات تنهب، إنك تطارد خيط دخان في تلك البيداء وذلك الوادي وتلك البوادي.. شعب أزلي في أرضه، مهما اتسعت لاتتسع لغيره، هو ذاك الذي أنت به، فاحذر، إنك به مهزوم وسيرفع لك شارة النصر الرضيع والشاب والشيخ والعجوز والمرأة والسجين، والحر حر لا يلين.. آه على فنجان لم أرَ مثله فيما مضى رغم أنني بصرت ونجمت كثيرا”.

وضعت الفنجان وسألت صاحب الفنجان، ترى ماذا جاء بك إلى داري وأنت تعرف أسرارك قبل أن أراها في فنجانك؟ مقدورك أن تذهب مخلوعا مخدوعا مقهورا، مطأطأ الرأس إلى غاية وراء الجبال، وراء السهول، وراء الصحاري في ساحل ستكون مهزوما مغرورا مسجونا بين الحق والباطل.

ستقف أمامه بزيه الأبيض ولثامه الأسود وهامته ونشوة نصره وعلمه الملون وعزيمته التي لا تلين، وستركع رغما عنك وراية ذلك الرجل سترفع رغما عنهم ورغما عنك.

أخوك الأسمر ترفرف أعلامه فوق رؤوسكم وأنت ذليل صاغر تتجنب النظر في وجه تلك الطاولة، وستحاول طمس انتصار حققه جيشا وشعبا وسيبقَ التاريخ يذكر الموقف إلى ما شاء الله.

غاب صاحب الفنجان وانكسر وبقت تلك المرأة تقرأ ذلك الفنجان وتسرد ما ترى بين خطوطه السوداء.

أيها الغائر في دمي هؤلاء نسوة ذهبت أرواحهن وهذا طفل يغتصب وهاته امرأة تشعل الحطب، وذاك شيخ يموت ببطء من شدة العطب، وهذا شباب يركب قوارب الشر ويحمل التعصب والغضب شر البلية أنت يا صاحبي.

وهكذا باتت تحكي إلى أن أدركها النعاس وطلع الصباح وسكتت عن الكلام المباح وسمعت نباح الكلاب وعواء الذئاب.

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *