واجب التحفظ والنقد/ النقد الذاتي: شعرة معاوية!!

nakd

ــ بقلم: المحفوظ عبد العزيز

* بصفة عامة، يعد واجب التحفظ من بين المتطلبات التي يجب أن يتحلى بها منتسبو قطاعات الوظيفة العمومية المدنية أو العسكرية. ماذا يعني ذلك بالضبط؟ يعني أن انتساب الموظف لقطاع معين يفرض عليه أن يلتزم ببعض القيود والضوابط التي تحكم طريقة تعامله مع المؤسسات الأخرى ووسائل الاعلام والمواطنين والأشخاص الأجانب؛ كما يعتبر الموظفون الدبلوماسيون ومنتسبو المؤسسات العسكرية من أكثر المعنيين بواجب التحفظ، تحت طائلة المتابعة أو العقاب.

* هل يمكن اعتبار الالتزام بواجب التحفظ نوع من التقييد لحرية التعبير؟ أجل، هو تقييد قانوني، طوعي، متفق عليه بين الادارة والموظف، عادة ما تنص عليه القوانين الأساسية أو المدونات السلوكية المهنية (الخاصة بالسلك الدبلوماسي مثلا)، حتى في غياب قواعد قانونية مكتوبة، توجد عادة قواعد عرفية تفرضه وتقره على الموظف. و هو تقييد نسبي، معلق بفترة أو مدة الخدمة، أي أن الموظف يمكنه استعادة حرية التعبير المكفولة له في إطار القانون بالتخلي عن الوظيفة التي تفرض عليه واجب التحفظ.

* من بين تطبيقات واجب التحفظ، يمكن الاشارة إلى مبدأ التضامن الحكومي الذي يعتبر من بين الأعراف الراسخة في القانون الاداري، والذي يمنع بموجبه على أي وزير في حكومة معينة انتقاد زميله في نفس الحكومة حتى وإن كان يعارض طريقته في التسيير، ويفضل استقالة الوزير المُعْتَرِضِ في حالة عدم بلوغ أرضية تفاهم مع باقي أعضاء الحكومة.

* إن القيود المترتبة عن واجب التحفظ ليست حكرا على دولة أو ثقافة معينة، بل تعتبر سائدة في معظم دول العالم؛ كمثال على ذلك، قدم وزير فرنسي وشخصية وازنة في الحزب الاشتراكي (جون بيير شوفينمون) استقالته في ثلاثة مناسبات مختلفة من ثلاث حقائب وزارية مختلفة كذلك (سنوات 1983، 1991 و2000)، بسبب معارضته لسياسات الحكومات التي كان ينشط ضمنها. بهذا الخصوص، تُنسب إليه المقولة الشهيرة: “على الوزير أن يغلق فمه، وإذا أراد فتحه، …. فعليه بالاستقالة أولا”؛ أما الجزاء المترتب عن عدم الالتزام بواجب التحفظ، فتحدده عادة القوانين الأساسية للقطاع المهني المعني (قد يكون إنذارا كتابيا، مجلسا تأديبيا أو الفصل المؤقت أو النهائي من الوظيفة).

* بالرجوع إلى الحالة الصحراوية، وإلى رائدة كفاح الشعب الصحراوي، تنص مبادئ جبهة البوليساريو على النقد والنقد الذاتي (المبدأ رقم 10) الذي لطالما استشهد به المناضلون الصحراويون خلال تقييمهم للأوضاع وانتقادهم لبعض الجوانب المتعلقة بتسيير مؤسسات الدولة. لا شك أن هذا المبدأ يمثل أمرا صحيا يُمَكّنُ من إشراك جميع المناضلين، بطريقة أو بأخرى، في تدبير الشأن العام وتحقيق الأهداف المسطرة عبر إبداء الرأي واقتراح البدائل في حالة وجودها.

المشكلة المراد تسليط الضوء عليها من خلال هذا المقال هي النزاع بين النقد والنقد الذاتي، كمبدأ من مبادئ الجبهة من جهة، وواجب التحفظ من جهة أخرى (طبعا، بالنسبة للموظفين الملزمين بواجب التحفظ). هل يمكن المساس بواجب التحفظ تحت ذريعة النقد والنقد الذاتي؟

أعتقد أن النقد المقصود أو المرجو لا يتعارض مع واجب التحفظ، إذا تمت ممارسته وفقا للشرطين التاليين:

ــ ضمن آليات مؤسساتية معينة (الاجتماعات التقييمية، المنظمات الجماهيرية والمؤتمرات الشعبية) ومع مراعاة وتغليب المصلحة الوطنية. تزداد أهمية هذه النقطة بالإسقاط على الوضع الراهن، أين أصبحت وسائط التواصل الاجتماعي، مع أخذ إيجابياتها وسلبياتها بعين الاعتبار،  تنافس الملتقيات والاجتماعات المؤسساتية وتمثل حيزا موازيا لمناقشة تطورات ومستجدات القضية الوطنية.

ــ النقطة الثانية والتي لا تقل أهمية، هذا المبدأ يمثل حقا ومسؤولية في نفس الوقت، إذ لا يحبذ تطبيقه في منأى أو معزل عن المبادئ الأخرى للجبهة، لا سيما الالتزام (المبدأ 2) والسرية (المبدأ 4) وتحمل المسؤولية (المبدأ 12) وطرح المشاكل بموضوعية (المبدأ 14).