لماذا يصعد المغرب حاليا من حملاته المخابراتية والدعائية ضد القيادات الصحراوية؟

بولسان-لحسن-575x250

ــ بقلم: لحسن بولسان

ندرك كشعب مكافح أننا مازلنا في حرب مفتوحة مع الاحتلال المغربي، ونعلم بأننا سنبقى مستهدفين للتأثير على نضالات شعبنا وإرادته في الحرية والانعتاق، ولا نجهل أنه كلما اشتد الخناق على العدو، وفشل في دبلوماسية الصدام التي يخوضها على المنبر الأممي والأفريقي  رغم الخداع والتضليل والكذب، إلا وأوعز لأذرعه لتقزيم تلك المكاسب النوعية ومحاولة إلهاء شعبنا بقضايا ثانوية، وقد حصل ذلك في السابق، ويحصل اليوم ولن يتوقف غداً رغم ضحالة الرهان على مخرجاته.

وبما أن الدعاية المغربية كانت تبني على الوهم وما يفيض منه، فلم تنجح كل حملات الكيد ضد شعبنا، وبدت أكثرها متسقة مع تمنيات لم تحصد منها سوى الخيبة التي تزيد من حدّة المأزق القائم للإحتلال في جميع ساحات المواجهة مع الطرف الصحراوي الذي بصموده جعل الاحتلال في وضعية المواجهة المفتوحة والمباشرة مع المجموعة الدولية، وترسم معالم هذا المسار التطورات الميدانية المتسارعة بعدما فشل في توظيف الأمم المتحدة لتكريس سياسة الأمر الواقع، ليجد نفسه في المربع الأول وأمام أفق أسود.

أوروبيا، فقد الاحتلال قاعدته الخلفية أي الاتحاد الأوروبي رغم تواجد الطرف الفرنسي، وأصبح النزاع الصحراوي-المغربي قضية مركزية في الحياة السياسية  الأوروبية؛ ولم يترك قرار المحكمة الأوروبية مجالاً للشك بحضور القضية الصحراوية في أولوية الاهتمام، علماً أن الصوت الأوروبي لا يعترف للمغرب بأية سيادة على الصحراء الغربية، ويعتبره قوة احتلال تستنزف خيرات أرض لا تملك شرعية التواجد بها ولا حق استغلال خيراتها.‏

أما بأفريقيا، فلم تأتِ النتائج والمخرجات وفق رؤية الاحتلال وأوهامه، بل جاءت التطورات مخالفة كليّاً لجميع تلك المخططات ومخططيها، وبرهنت قمة أبيدجان أنه لم يعد من مصلحة المغرب التعويل على واقع خاسر، لا تنفع معه المكابرة، ولا طائل من الاستمرار فيه.

الانتصارات الصحراوية هذه، أتت بعد أن أفشل شعبنا، الذي يبقَ مستهدفا في صموده، كل مناورات الاحتلال المغربي التي حاولت التشويش على مداولات المؤتمر الرابع عشر، وبرهن شعبنا على قمة الوعي والمسؤولية، بعد فقدان الزعيم الشهيد محمد عبد العزيز الذي ساهم مساهمة قوية في تحقيق هذه المكاسب الوطنية؛ وبعدما راهن المحتل على التأثير على وحدة الصف الصحراوي بعد استشهاد الرئيس، خرج شعبنا بالمخيمات والأرض المحتلة والجاليات: قاعدة وقيادة، قوة منسجمة، بعد انتخاب الأخ إبراهيم غالي أمينا عاما للجبهة ورئيسا للدولة وبالإجماع، مفشلا كل دسائس المحتل المغربي كما فعل إبان استشهاد الزعيم التاريخي لكفاحنا الشهيد الولي مصطفى السيد، حيث رد شعبنا على حسابات الاحتلال آنذاك بهجمة الشهيد الولي التاريخية.

وبسبب تلك النكسات المتواصلة، تبقَ محاولات المخابرات المغربية استرداد الأوراق المحترقة أصلاً آخر ما في الجعبة، وتحت ضغط الوقت الذي يستنفد مختلف احتمالاته، ليطلق العنان لدعاية، بدأت  الاشتغال على تصميمها دوائر الاستخبارات يكون هدفها الأشخاص بعدما فشلت سياسة إثارة مواضيع: المساعدات والمحتجزين والعائدين، تأتي اليوم سياسة دعائية ضد بعض العناصر القيادية، لأن ذالك حسب فكرهم قد يبسط ويسهل الدعاية، خاصة أن معالجة الموضوعات والأفكار قد تكون أمرا معقدا، والتعقيد لا يفيد الدعاية.

في القراءة الأولية، تأخذنا المعطيات إلى الجزم بقضايا محورية وجوهرية لا بد من ذكرها هنا:

أولا: إن قوة وحدة الشعب الصحراوي تمثل عقدة الاحتلال وحلفائه، وكلما اقترب شعبنا من تحقيق حريته إلا وصعدت أجهزة القصر من هجمتها الدعائية من خلال خطة مسطرة مشرف عليها.

ثانيا: وبما أن هذه الوحدة ضامنها الأساسي هو وحدة قيادتها وانسجامها في تنفيذ الخطط والبرامج التي تقودونا صوب الاستقلال الوطني، فلا بد من البحث عن أساليب استئصال من الجسم القيادي، عناصر تقوم بهذا الدور، ولهذا الغرض وفر المغرب تلك المبالغ المالية الضخمة التي كانت مخصصة لتسليح الجيش المغربي، لتوظيفها لشراء الذمم ورسم مرتكزات دعاية مغرضة تستهدف الحالة النفسية والمعنويات العامة لشعبنا، تكون بأساليب جديدة وبأيادي جديدة، تسوق خطاباً مفاده “أن الشعب يريد الاستقلال ولكن القيادة فاشلة ومفلسة وفيها عملاء” ونعتها بكل النعوت مع التركيز على بعض الأسماء لإثارة وإذكاء النعرات القبلية بهدف الانشقاق.

وبما أننا في المجتمع الصحراوي لا يمكن أن نقبل بتواجد “مُحَمّادْ” ولا “الحَمْدَاوِيّة” فكان لا بد من غرس عناصر عميلة في الجسم الوطني من طينة صحراوية في الأرض المحتلة والجاليات وفي مخيمات العزة والكرامة، وهذه العناصر لا تقوم فقط برصد البرامج والندوات والقرارات القيادية، لأن تلك المهمة موكلة أصلا لعناصر استخباراتية قديمة-جديدة، وهي معروفة اليوم في الوسط الصحراوي، وبتفاصيل التفاصيل معلنة معروفة لم ينكرها المتورطون، وكيف تقوم بترويج ما لقن لها من تشويه ودعاية مغرضة سوداء في أوساط العامة مستغلة هذه الثورة التكنولوجية الحديثة، حيث تتلقّ تباعا كل التعليمات الدقيقة من أجل تعدد الأهداف التي تأتي كردة فعل مع كل ظرف تعيشه القضية الوطنية.

وهنا لا نتحدث عن المستفيدين من  “الكرطيات”، لأن اللائحة أصلا موجودة ومرصودة،كما لا نتحدث عن مهام محددة كتوزيع الأعلام المغربية في بعض المناسبات الوطنية أو تسجيل أشرطة مفبركة مقابل مبالغ مالية محددة، ولكن نتحدث عن تلك الاستنتاجات والدراسات التي خلصت لها أجهزة المخابرات المغربية المدنية والعسكرية، مفادها أن توظيف ورقة العائدين واستدراجهم للمغرب سياسة فاشلة ولها تبعات سلبية داخلية على نظام الاحتلال؛ ولأن الخائن خائن ولا تأثير له، تم تغيير الخطط وتوظيف عناصر عميلة للمخابرات من الجسم الوطني، تزايد في خطابها تحت شعار: “حرية الرأي وحقوق الإنسان”، وتحت عنوان: “مهاجمة الفساد” منوط بها مهمة التخريب النفسي والمادي.

ما يدفع إلى الجزم أخيرا، أن استهداف القيادة الصحراوية باعتبارها تقود المعركة بدعم من قاعدة قوية، لم يكن في التوقيت الخطأ فحسب، بل أيضاً في المكان الخطأ، والموقع الخطأ والحساب الخطأ، وأن كل هذه الخطط وغيرها وصولا إلى التفاصيل التي تتكشف تباعاً، بغرض إبقاء العميل داخل المخيمات التي أربك صمود ها كل حسابات العدو، في وقت يقف فيه أهالينا بالأرض المحتلة صخرة للمواجهة والتضحية، لن تنجح أبداً ولن تؤثر على إرادتنا في مواصلة الكفاح، ونحن شعب نفرق بين النقد البناء والهدام، ونعرف نوايا أصوات رفعت شعار الوطنية لتحقيق مآرب خبيثة، بالرغم أننا نعتبر ذلك مجرد لا شيء، بل ثرثرات انتقلت من الخفاء إلى العلن، وغالبا بفجاجة.

وهنا لا بد من الإشادة بدور أطرنا السياسية والإعلامية في مختلف الوسائط في إفساد مرامي دعاية الاحتلال، وكل خطط استخبارات الأعداء وتقوية لحمة الوحدة والانسجام لتحقيق الأهداف النبيلة في الحرية والاستقلال.