ريبورتاج: احتجاجات التجار الصحراويين على إجراءات اعتبروها تعسفية من الدرك الجزائري

bc553ebb-bacd-4934-836c-1b6e388bb926

مقدمة:

تابع موقع “الصحراوي” منذ يوم الأربعاء الماضي (29 ديسمبر 2017) تفاعلات قضية شغلت الرأي العام، تخص مجموعة كبيرة من التجار الصحراويين الكبار، حيث لاحظنا مساء ذلك اليوم اعتصام عددٍ من السيارات الصحراوية والمواطنين في نقطة مراقبة ولاية الشهيد الحافظ، ولما استفسرنا عن الأمر أبلغنا من قبل بعض المعتصمين أن الاعتصام احتجاج على اعتقال الدرك الجزائري تاجرين صحراويين، مع بضاعتهما المحملة في شاحنتين جزائريتين واعتقال سائقي الشاحنتين الجزائريين كذلك.

ورغم أن اختيار مكان الاعتصام لم يكن موفقا، حسب ما أكده مواطنون عديدون، نتيجة اضطرارهم لأخذ طريق جانبي لتجنب نقطة الدخول لولاية الشهيد الحافظ، رغم سوء أرضية الطريق الجانبي. كما أنهم اعتبروا قطع الطريق مس بحقوق ومصالح بقية المواطنين؛ إلا أن الاعتصام لم يدم طويلا بعد توصل المعتصمين لاتفاق مع السلطات لحل المشكل.

وتفاعلت الأحداث خلال الأيام الموالية، حيث تابعناها مثل جميع المواطنين، في انتظار ما سيتمخض عن ما سمعنا أنها مساعي تقوم بها سلطات مختلفة لحل المشكل، لكن القضية لم تنته عند هذا الحد، حيث فوجئ الجميع بأن هناك توجه من الدرك الجزائري لتقديم التاجريْن إلى المُحاكمة، وهو ما اعتبرناه أمراً غريبا، حيث أننا على علم أن السلع التي تحملها الشاحنات سلع شرعية ومرخص بها.

عندها، قررنا كموقع أن نجري تحقيقا ميدانيا في الموضوع، لننقل إلى القارئ التفاصيل المجردة لما حدث. ولذلك قمنا بإجراء اتصالات بالمحتجين، وأجرينا مقابلة مع ممثلين عنهم، كما قمنا بالاتصال بالسلطات الصحراوية، في شخص وزير التجارة، محمد المصطفى التليميذي، حتى نقدم الصورة الكاملة لتتجلى الحقيقة.

تفاصيل القضية:

اعتاد التجار الصحراويون الكبار استيراد مختلف أنواع السلع من المدن الشمالية للشقيقة الجزائر، عبر الطريق البري، حيث يستفيدون بفضل بطاقة التجارة الصحراوية التي لديهم من تسهيلات في الاستيراد لا يدفعون بموجبها أية ضرائب على السلع؛ وهي تسهيلات منحتها الدولة الجزائرية منذ سنوات للتجار الصحراويين. وبهذا الموجب يشتري التاجر الصحراوي سلعه، ويشحنها في شاحنات جزائرية أو صحراوية مع تسليمه جميع فواتير السلع المحملة للسائق حتى يتمكن الأخير من تمرير الحمولة دون مشاكل على مصالح الجمارك الجزائرية بمدينة العين الصفراء، حيث يقدم السائق الفواتير، وبطاقة التاجر الصحراوي لتقوم المصلحة بالتأكد منها، ولترخص البضاعة في وثيقة خاصة بهذا الشأن. وعند وصول البضاعة إلى مدينة تيندوف، يقوم السائق بنفس الإجراءات، ويستدعى صاحب السلع ليتسلمها عبر إجراءات أخرى تتم عن طريق وزارة التجارة الصحراوية والقطاع العملياتي بتيندوف لتنتهي دورة استيراد البضائع التي ستدخل السوق الصحراوي بمخيمات اللاجئين الصحراويين.

بداية المشكل (برواية بعض التجار):

غير أن تغييرات طرأت على قيادة الجمارك الجزائرية في العين الصفراء فاجأت مجموعة من التجار الصحراويين نهاية شهر نوفمبر الماضي بامتناع مصالح الجمارك بالمدينة الجزائرية المذكورة عن توقيع تراخيص لسلعهم، حيث أخبرهم مسؤول في تلك المصلحة أنه لا يعترف بوثائقهم (بطاقة التاجر الصحراوية)، كما ادعى ألا وجود لديه في السجلات لأي إشارة لإجراءات خاصة بالصحراويين. وبعد معاناة طالت قرابة شهر، اضطرت مجموعة من التجار للنزول إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين، حيث قاموا بإجراء اتصالات مع الجهات الصحراوية لحل المشكل. عندها خلصت السلطات الصحراوية على ما يبدو في تفاهم مع الجهات الجزائرية المختصة في القطاع العملياتي إلى تسليم التجار الصحراويين تراخيص استيراد للسلع حتى قبل شرائها، وهو ما قام التجار باستخراجه فعلا، وإيصاله إلى مصلحة الجمارك في العين الصفراء أين أخبروا أن المشكل قد انتهى وأنهم لا يحتاجون لأي تراخيص أخرى.

عندها انطلق التجار ببضائعهم ليفاجئوا بتوقيف الدرك الجزائري لشاحنتين عند نقطة دخول مدينة تيندوف، وتوقيف شاحنة ثالثة عند مدينة أم لعسل. وقد طلب الدرك الجزائري من السائقين استدعاء أصحاب السلع الصحراويين لإجراء التفتيش الروتيني الذي تحدثنا عنه ومقارنة الفواتير بالحمولة الفعلية، لكن عند وصول صاحبي السلع الموقوفة عند نقطة دخول مدينة تيندوف إلى عين المكان فوجئا بإقدام الدرك على اعتقالهما، وبمصادرة سلعهما وتوقيف الشاحنتين، واعتقال السائقين الجزائريين كذلك.

أما بالنسبة للشاحنة التي أوقفت في أم لعسل فقد قام الدرك الجزائري بتوقيف سائقها الجزائري، مع مطالبته باستدعاء صاحب البضاعة بالحضور، لكن الأخير رفض الذهاب خوفا من أن يتعرض للإعتقال كصاحبيه في تيندوف.

وعند توقيف التاجرين الصحراويين، وهما: لخليفة أحريم والحسين أسويلم، توجه التجار إلى وزارة التجارة الصحراوية لحل المشكل، إلا أنهم لم يجدوا أحداً بالوزارة بعدها توجهوا إلى الوزارة الأولى ولم يجدوا الوزير فاستقبلهم الأمين العام للوزراة الذي أبلغهم بغياب الوزير الأول واقترح عليهم التوجه إلى كتابة الدولة للأمن والتوثيق، وهو ما قاموا به، حيث توجهوا إليها وتجمهروا أمامها مطالبين بلقاء الوزير، إلا أنهم لم يتمكنوا من ذلك.

بعدها قاموا بقطع الطريق عند نقطة التفتيش بالمدخل الشمالي لولاية الشهيد الحافظ، عندها جاءهم وزير الأمن ووزير التجارة الصحراويين وطالباهما بالاتفاق على ممثل ليرافقهما للإجتماع بالقطاع العملياتي (السكتور) وهو ما حدث، وفي الاجتماع تعهد لهم مسؤول القطاع العملياتي بحل المشكل وإطلاق سراح الموقوفين وإعادة سلعهم في اليوم الموالي (الخميس)، وبعد هذا التعهد قام التجار بفتح الطريق وفض الاعتصام؛ لكن في اليوم الموالي لم يفرج عن الموقوفين، بل وتم إفراغ حمولة الشاحنات عند الجمارك الجزائرية في مدينة تيندوف، الأمر الذي يعني المصادرة النهائية للسلع.

كما أكد التجار أنهم قد أبلغوا أن الموقوفين سيمثلان أمام المحكمة بتندوف يوم الثلاثاء (02 يناير 2018) بتهمة التهريب، الشيء الذي أدى بالتجار إلى التجمهر يومي الإثنين والثلاثاء (01 و02 يناير) أمام مقر الكتابة العامة (الرئاسة) بولاية الشهيد الحافظ، لمطالبة السلطات المعنية بإطلاق سراح الموقوفين دون قيد أو شرط، وإعادة ممتلكاتهم من السلع، مع تأكيدهم أنه في حالة عدم الاستجابة لمطالبهم سيشرعون في إضراب شامل عن العمل بمخيمات اللاجئين الصحراويين عبر إقفال متاجرهم إلى غاية حل المشكل، وبالفعل فقد شرعوا في إقفال جزئي لمتاجرهم يومي الاثنين والثلاثاء، مع ترك متاجر المواد الغذائية حرصا على عدم التأثير على حاجة المواطنين من الغذاء.

حل المشكل وإطلاق سراح الموقوفين:

وعقب الاستماع إلى رواية التجار، اتصل موقع “الصحراوي” بوزير التجارة الصحراوي، الذي أكد أنه باشر العمل مع السلطات المعنية سواء منها الصحراوية أو الجزائرية، ولم ينكر أنه فعلا وقع تباطؤ -شيئا ما- في الموضوع، الذي عزاه إلى كونه جاء مُصادفاً لعطلة نهاية الأسبوع وتلتها مباشرة عطلة رأس السنة مما تسبب حسبه في إطالة فترة إيجاد الحل للمشكل، مُؤكدا أن الموضوع قد تم حله بشكل نهائي بفضل التعاون الوثيق مع الجهات الجزائرية المعنية، وأن الموقوفين قد تم إطلاق سراحهم وأن السلعة الموقوفة هي الأخرى سيتم الافراج عنها اليوم الأربعاء.

خلاصات:

وعليه فقد أظهرت هذه الحادثة حاجة ملحة لإعادة التفكير في الترتيبات، والتفاهمات القائمة بين وزارة التجارة الصحراوية ونظيرتها الجزائرية، مع ضرورة تعميم جميع الوثائق الصحراوية الرسمية، من بطاقات، وتراخيص وغيرها على سلطات إنفاذ القانون الجزائرية، والجمارك خصوصا، لتفادي مثل هذه الإشكالات.

كما ينبغي التنويه بروح المسؤولية العالية التي أبان عنها التجار الصحراويون، وجميع من تضامن معهم، حيث نظموا وقفاتهم الاحتجاجية بشكل جيد، مع حرصهم على إبراز تسمكهم بضرورة حل المشكل عن طريق الجهات الرسمية.

الملاحظة الوحيدة التي أثيرت ضد التجار تتمثل في إغلاقهم لنقطة مدخل ولاية الشهيد الحافظ، حيث أثر ذلك على عدد كبير من المواطنين خصوصا ممن يمتلكون سيارات صغيرة غير مصممة للمرور من الطريق الجانبي الصعب الذي كان بالإمكان أن يتسبب بأضرار لسياراتهم. كما أشار آخرون إلى أن قطع الطريق بهذا الشكل لم يكن موفقا، بل كان الأجدر التظاهر أمام الوزارات المعنية.

مواطنون آخرون اعتبروا التظاهر أمام رئاسة الدولة نقطة أخرى لم يفلح فيها المعتصمون، حيث كان الأجدر بهم التظاهر أمام وزارة التجارة، أو كتابة الدولة للتوثيق والأمن، أو حتى في مكان آخر لا يؤثر على سير عمل أي مؤسسة. واعتبروا أن التظاهر للمطالبة بالحقوق أمر صحي ما دام يتم بطرق مسؤولة وسلمية، ولكن ينبغي دائما على أي معتصم أن يضع في اعتباره مصالح المواطنين، وضرورة الحفاظ على سلامة المؤسسات، وتمكينها من أداء واجباتها دون التسبب في انقطاعها.

أما بالنسبة للتجار فقد انتقدوا بشكل كبير الغياب الطويل للمسؤولين عن الحضور لمتابعة القضية في عين المكان، وأيضا غياب بعض المسؤولين عن مؤسساتهم أثناء محاولة التجار الاتصال بهم، رغم أنهم أقروا بتعاطي الجهات الرسمية معهم بشكل جدي وهو ما انتهى إلى حل المشكل.

كما أشاد العديدون بروح المسؤولية التي طبعت تعامل السلطات الجزائرية التي عملت على حل الإشكال، وإطلاق سراح التاجرين، معتبرة أن التنسيق الوثيق مع الجهات الرسمية في هذه الحالات ضروري لتفادي أي سوء تفاهم قد يؤثر على السير العادي لشؤون المواطنين.

وأخيرا، نعتقد أن المسؤولية تقع على الجميع، تجارا ومسؤولين للتفكير بشكل أعمق في أنجع الطرق لتفادي أي إشكالات مستقبلية قد تؤثر على تدفق التجارة والسلع لمخيمات اللاجئين الصحراويين، باعتبار أهميتها للمواطنين.