رقصة الديك المذبوح: لحظات تخبط تاريخية للمملكة المغربية

58eff51ec36188f1758b4662-300x150

بقلم: ماءالعينين لكحل

نتابع، مثل أغلب المتابعين لأخبار المغرب، الحالة المزرية التي وصل لها الوضع السياسي في ظل حكم الملك المغربي الحالي، محمد السادس، الذي يعطي إنطباعا غير مريح لأصدقائه قبل أعدائه، بأنه إما لا يريد أن يحكم، أو أنه عاجز عن الحكم. وسبب استنتاجنا هذا عائد إلى العفوية وأحيانا الصبيانية التي تتصرف بها الدبلوماسية الملكية، ممثلة في شخص الملك، في عدة مناسبات، كان آخرها على سبيل المثال لا الحصر، زيارته الغريبة لكوبا، التي تبين أنها كانت مجرد محطة استراحة وتربص أشبه بكمين بحثا عن لقاء لم يتحقق مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

الحكاية؟

فجأة ودون مقدمات، امتلأت الصحافة المغربية والمخزنية (بمن فيها مجلة جون أفريك المعروفة بأنها تكتب للدعاية لمن يدفع أكثر) بأخبار غريبة عن زيارة “غير رسمية” لمحمد السادس وعائلته الصغيرة، للعاصمة الكوبية، هافانا، منذ نهاية الأسبوع من شهر أبريل حيث أقام في فندق “ساراتوغا” الشهير حاجزا غرفه ال96 بأكملها لمدة عشرة أيام.

وربما، كانت هذه الزيارة لتمر مرور الكرام، لو أن الأمر تعلق بزيارة ملكية تقليدية، رسمية أو غير رسمية، لفرنسا أو لأية دولة سياحية أخرى حول العالم، ولكن أن تكون الزيارة لكوبا التي ليس للمغرب أية علاقات دبلوماسية معها منذ 1980؟ كوبا التي تقف بكل وضوح إلى جانب حق الشعب الصحراوي في الاستقلال؟ والتي دعمت الجزائر دون أي لبس في الستينات حين حاول نظام الحسن الثاني آنذاك غزو جزء من أراضي بلاد المليون ونصف شهيد ولما تجف دماءهم بعد سنة 1963 في ما عرف بحرب الرمال؟ فهذا حدث استثنائي، وغير لائق سياسيا ولا دبلوماسيا، وغير طبيعي بالمرة.

وكما كان متوقعا لم تحظ زيارة الملك بأي اهتمام من قبل الإعلام الكوبي الرسمي الذي لم يأت على ذكرها إطلاقا. أكثر من ذلك، لم يحظ الملك وحاشيته بأي اعتبار رسمي، ماعدا حرص السلطات الكوبية طبعا على تأمين المنطقة التي أقام بها الملك كإجراء أمني روتيني تقوم به أي دولة لحماية زوارها من كبار الشخصيات.

وبالطبع، سرت شائعات في العاصمة حول خرجات الملك وحاشيته، والمصاريف الهائلة التي صرفوها هنا أو هناك، كما راجت شائعة هامة مفادها أن الملك قد يكون خضع لفحوصات طبية غير معلنة على هامش الزيارة، زاد من احتمال صحتها وصوله لكوبا على متن طائرة خاصة للملك السعودي بها وسائل طبية متطورة مقارنة بطائرات محمد السادس، ما يرجح أن صحته ليست على ما يرام.

الأغرب من كل ذلك ان الزيارة الملكية قد تزامنت مع انفجار الوضع السياسي في شمال المغرب، خاصة في الحسيمة، لكن ذلك على ما يبدو ليس من اهتمامات الملك، أول رئيس دولة حسب علمنا، يواصل قضاء عطلة، أو على الاقل هذا ما تسميها الصحافة المغربية، في بلد لا تربطه به علاقات دبلوماسية، أثناء اندلاع مظاهرات كبيرة في جزء غير مستقر من بلاده تنتقد حكمه، بل وتطالب بالانفصال عن المملكة، وفي وقت تعيش حكومته التي عينها مؤخرا بعد شق الأنفس خطواتها الأولى لفرض نفسها في فضاء سياسي مغربي لا يعترف لها بالكثير من الشرعية، أو على الأقل هناك تشكيك مسبق ومنطقي في مصداقيتها؟ فهل هذا أمر طبيعي؟

انكشاف السر!

وبغض النظر عن غرابة إقدام الملك على زيارة كوبا دون ترتيبات رسمية، وربما دون استشارة الدولة المضيفة التي لا تربط بلاده بها أية علاقات دبلوماسية، أضاف انكشاف حقيقة الهدف الحقيقي من الزيارة في إظهار صبيانية الدبلوماسية المغربية، وعدم مراعاتها لأبسط قواعد السلوك الدبلوماسي الرزين والمقبول.

لقد انكشف للجميع بسبب تسرع الصحافة المغربية، أن الملك أقام بكوبا مستغلا قربها من فلوريدا طمعا في اقتناص لقاء هامشي وغير رسمي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان من المتوقع قيامه بتمضية عيد الفصح المسيحي في مدينة ميامي الأمريكية (ولاية فلوريدا) التي تقع على مرمى حجر من كوبا، والمعروفة بتمركز كل أقطاب المعارضة الكوبية من أصدقاء المغرب بها.

إذا، من المنطقي أن تعتبر الزيارة وسببها الحقيقي إهانة حقيقية لكوبا، واستهتار غير مدروس، ربما، من قبل مستشاري ملك المغرب، خاصة أن كل هذا التخطيط لم يؤت ثماره المنشودة، حيث في نهاية المطاف لا الملك قضى عطلة عادية، ولا حظي بانتباه سلطات كوبا، أو أمريكا (استقبل الملك عند وصوله إلى ميامي الأمريكية من قبل مدير مطارها الدولي فقط!!)، ولا حظي بلقاء مع ترامب رغم انتقال الملك وحاشيته إلى ميامي قبل وصول ترامب بأيام على أمل اقتناص دقائق من وقته الثمين.

لماذا لم يستقبل ترامب ملك المغرب؟

من الطبيعي جدا أن لا يستقبل الرئيس ترامب ملك المغرب في مثل هذه الظروف الغريبة التي أحاطت بزيارته لكوبا ثم لميامي. ففي مثل هذه الحالات كان من المفترض أن يرتب الطرفان لزيارة دولة، أو على الأقل استغلال أية فرصة رسمية لإجراء اللقاء. ففي كل الأحوال لا يستطيع الرئيس الأمريكي لقاء قائد دولة أجنبية وكأنهما قائدا عصابتين على هامش نشاط وطني رسمي له في ولاية فلوريدا، وفي يوم عيد ديني مسيحي هام.

كما نعتقد أن الرئيس الأمريكي قد يكون أخذ بنصائح مستشاريه السياسيين بتفادي لقاء الملك خلال هذه الفترة التي تأتي أياما قليلة قبل مناقشة مجلس الأمن الدولي للقضية الصحراوية، وهو ما قد يعطي انطباعا سيئا لدى العديد من متابعي القضية، وقد يؤثر على صورة الحياد النسبي الذي تتبعه الولايات المتحدة في الموضوع منذ أزيد من عقد من الزمن في قضية الصحراء الغربية.

وبطبيعة الحال، راجت أيضا فرضية تقول أن ترامب لم يلتفت لمحاولات الملك لقاءه بسبب وقوف الأخير خلال الانتخابات الأمريكية إلى جانب هيلاري كلينتون. لكننا لا نعتقد بأهمية هذا السبب، لأن ترامب رجل أعمال قبل اي شيء آخر، ولن يتوقف كثيرا عند هذه النقطة إذا ما رأى في المغرب فائدة له أو لإدارته. السبب إذا أعمق من ذلك بكثير.

وأخيرا من الجائز أيضا الاعتقاد أن محيط ترامب قد تحرج من هذه المحاولة المغربية الفجة للضغط عليها لترتيب لقاء على عجل مع الملك، لكنه لم يخضع لهذا الابتزاز الرخيص لأن ذلك قد يؤسس لتقليد خطير على الرئيس الأمريكي، قد يفرض عليه مستقبلا لقاء كل قائد دولة أخرى تقوم بمثل هذه المناورة. فليس من المنطقي أن يحضر رئيس دولة في زيارة رسمية أو غير رسمية دون ترتيبات مسبقة مع السلطات الاتحادية. خاصة حين يحل بمدينة من المنتظر قيام الرئيس الأمريكي بزيارتها، ما يعني أنه قد حصل على معلومات استخباراتية عن تحركات الرئيس، أو أنه يريد إحراج الأخير للقاءه دون تشاور أو اتفاق، أو على اقل تقدير يريد إرسال رسائل بوجود تنسيق ومشاورات بينه وبين أقوى دولة في العالم حاليا.

خلاصات لا بد منها

رغم كل الانتقادات التي يمكننا توجيهها لظروف ومخرجات هذه الزيارة المغربية لكوبا ثم لميامي، إلا أننا أيضا لا ينبغي أن نغفل عن النتائج المحتملة التي يمكن أن تترتب عنها، خاصة في إمكانية استغلال الملك لها لاحقا كوسيلة إحراج للإدارة الأمريكية، قد تدفعها قريبا لترتيب لقاء رسمي للملك لمقابلة ترامب، على الأقل لحفظ ماء وجه الملك المراق.

وبطبيعة الحال، ينبغي أن ندرك أن الزيارة الملكية الغريبة لكوبا، ولو أنها في نظرنا قد شكلت إهانة أكثر من أي شيء لنظام راؤول كاسترو (اضطرته إلى تكليف سفيره لدى الجمهورية الصحراوية بتوضيح الموقف الكوبي)، إلا أنها مؤشر جد هام ويبدو أنه قد أصبح قارا في الدبلوماسية الملكية التي أصبحت أكثر جرأة على طرق، وأحيانا اقتحام، أبواب بعض أهم معاقل الصداقة والتضامن مع القضية الصحراوية دون استئذان ولا مقدمات.

وتكفي العودة قليلا بالذاكرة إلى الزيارات التي أجرتها الدبلوماسية المغربية لبعض الدول الأفريقية الصديقة، حيث نجحت إلى حد ما في التسبب بالحرج لبعضها، لدرجة تبنيها لاحقا مواقف أقل ما يقال عنها متوازنة (كي لا نقول متخاذلة) خلال بحث الرؤساء الأفارقة لطلب المغرب الانضمام للاتحاد الأفريقي.

ولا نستغرب أن تحاول الرباط في المستقبل القريب إعادة علاقاتها الدبلوماسية مع كوبا، وربما الدخول إلى الجزيرة من بوابة العلاقات الاقتصادية عبر استثمار بعض الأموال المغربية “المهربة” من المغرب في المجالات التي تحسن حاشية الملك من رجال الأعمال الاستثمار فيها.

وبطبيعة الحال، لا ينبغي أن نستبعد استعمال المغرب علاقاته القوية مع اللوبي الكوبي في ميامي للضغط على الحكومة الكوبية، وربما التحضير لمرحلة ما بعد حكم جيل الثورة في كوبا.

المهم، أن المملكة المغربية، والملك خصوصا، يعيش مؤخرا حالة محيرة من التخبط، دفعته على الأقل إلى القيام بأنشطة، وزيارات، ولقاءات أقل ما يقال عنها أنها غير محترفة، وتمس بشكل عميق من مصداقيته كرئيس دولة، ولكنها تؤتي أكلها أحيانا أو على الأقل تسبب الإحراج للمستهدفين منها كما قلنا.

ونعتقد في الأخير، أن النظام الاستعماري المغربي، يعيش أحرج لحظاته بسبب إصراره، الذي سبقته إليه جميع القوى الاستعمارية التقليدية، على مواصلة احتلال مستعمرته الصحراء الغربية، رغم كل المحاولات الأفريقية والدولية لإقناع الرباط بالتعقل، وبالرجوع للمنطق والبحث مع الجمهورية الصحراوية عن حل جدي، وعادل، ونهائي يضمن ممارسة الشعب الصحراوي لحقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير. ونعتقد أيضا، أن اللحظة التاريخية التي يمر بها المغرب الآن، تستلزم من عقلائه الرجوع بسرعة إلى المنطق، وإلى المخطط الأفريقي الأممي لعام 1991، بل وإلى المقترح الصحراوي المطروح على الطاولة منذ 2007، والقبول برؤيته الاستشرافية والعقلانية للحل، بدلا من تضييع عقود أخرى من فرص التكامل والسلام على شعوب المنطقة، وربما الزج بها من جديد في أتون الحرب والنزاع وانعدام الاستقرار. فلا يمكن بتاتا التوصل إلى حل للنزاع المغربي الصحراوي، دون الجلوس للمعنيين المباشرين واستشارتهم والتوصل إلى حل يرضيهم. هذا أبسط شرط على المغرب احترامه، والتوقف عن البحث عن حلول في فرنسا أو أمريكا أو في إسرائيل، ومواصلة التعنت في إدارة الظهر للشعب الصحراوي صاحب الكلمة الفصل الوحيد لإيجاد هذا الحل.