كيف يمارس المغرب تزوير التاريخ

Ghalizbeir

ــ بقلم: د. غالي الزبير

نشرت مواقع إلكترونية مغربية من بينها “لكم2” باحتفاء ماسمته وثائق تاريخية حول السيادة المغربية على الصحراء الغربية، وجاء عنوان المقال “وثائق تاريخية إسبانية تؤكد سيادة المغرب على الصحراء”، ويقدم الباحث المغربي محمد محمد الخطابي عضو الأكاديمية الاسبانية-الأمريكية للآداب والعلوم في بوغوتا بكولومبيا “قراءة” في هذه الوثائق التي يذكر أنها مترجمة من لغتها الأصلية (يكاد المريب أن يقول خذوني).

ويتعلق النص بمراسلات دبلوماسية إسبانية تتمحور حول السعي لإنقاذ 27 صيّاداً من البحّارة الكنارييّن غرق مركبهم المسمى (نويسترا سينيورا دي أنغوستياس) في صيف 1784 على الساحل الصحراوي قرب رأس بوجدور.

وبالبحث عن هذه الوثائق نعثر على النص المنقول أغلبه إلى اللغة العربية من مصدره الإسباني الذي لم يذكره الأكاديمي المغربي وهو موقع إلكتروني يصدر من كولومبيا ويموله المغرب كما يظهر من محتوياته إذ أن روابط الصفحة تحيلك مباشرة إلى صفحات المجلس الاستشاري المغربي المعروف بـ”الكوركاس”؛ وهذا ما يجعل ما يسمى بهذه “الوثائق التاريخية” -المحتفى بها من طرف الاعلام المغربي المتهافت على أية أكذوبة- تفقد أي مصداقية حتى قبل تصفح نصوصها.

ويقدم الباحث المغربي لنص الوثيقة قائلا “يتّضح لنا من خلال هذه الوثائق، والحالة هذه، كيف أنّ كلاّ من القنصل الإسباني فى المغرب وحاكم جزر الخالدات أبلغا رسميّا عن حادث الغرق الذي تعرّضت له السفينة (نويسترا سنيورا دي انغوستياس) إلى السيّد (كوندي فلوريدا بلانكا) الوزير الأوّل الإسباني فى ذلك الإبّان معترفين جميعاً ضمنيّا بما لا يترك مجالا للشكّ بسيادة عاهل المغرب على هذه المنطقة من الصّحراء الغربية على عهد “السلطان محمّد بن عبد الله” (معروف عنه تاريخياً اهتمامه بالصّحراء المغربية الذي جدّد ولاية شيوخ قبائلها فى العديد من المناطق والجهات مثل واد نون، وأدرار، وماسّة، والسّاقية الحمراء وسواها من المناطق الأخرى..)”.

هذا الاستنتاج السابق لعرض نص الوثيقة مع أن محل الاستنتاج ينبغي أن يكون لاحقا لعرض النص وليس سابقا له سنجد أنه يتناقض مع النص الذي يقول بالحرف الواحد “… بعض هؤلاء البحارة الذين غرقت سفينتهم قرب رأس بوجدور موزعين على مناطق قريبة من مكان الحادثة بعضهم خاضع لسلطة مولاي عبد الرحمن نجل ملك المغرب الذي لايقر بسلطة والده، وبعضهم يخضع لسلطة بعض السكان الصحراويين المستقلين (يسميهم هنا moros particulares) وبعضهم في المناطق الداخلية..”.

أين هذا من قول الباحث المؤرخ الأكاديمي المغربي أعلاه حين يشير إلى أن الحكام الاسبان “ذلك الإبّان معترفين جميعاً ضمنيّا بما لا يترك مجالا للشكّ بسيادة عاهل المغرب على هذه المنطقة من الصّحراء الغربية على عهد “السلطان محمّد بن عبد الله” مع أن منطقة درعة ومنطقة واد نون كانتا غير خاضعتتن حينها لسيادة سلطان المغرب حيث يوجد ابنه المتمرد مولاي عبد الرحمن عليه، فما بالك بالصحراء الغربية الواقعة بعيدا إلى الجنوب عن تلك المناطق التي لم يكن ملك المغرب يمارس عليها أي نوع من مظاهر السيادة حسب النص ذاته؟.

بل إن الوثيقة تسير في تناقض أوسع مع استنتاجات الأكاديمي والدبلوماسي المغربي محمد الخطابي حين يقول نص الوثيقة “… بما أن العاهل المغربي ليس هو المالك الحصري لتلك المنطقة فلابد من البحث عن أساليب مختلفة أخرى غير مباشرة لتحرير البحارة (الكناريين)”.

ويظهر أن المؤرخ القابع في بوغوتا يجهل ماهي الصحراء الغربية، حيث يقول أن السلطان محمد بن عبد الله جدد ولاية شيوخ قبائلها (الصحراء) في واد نون وأدرار وماسة والساقية الحمراء وسواها… هكذا.

هذه صورة من صور تزوير التاريخ بتجنب ذكر المصادر واجتزاء فقرات من النصوص الأصلية لِلَيِّ أعناق الوثائق على طريقة “لاتقربوا الصلاة”، وهذه الممارسات المخزنية التي تقدم بأسماء أكاديمين ودبلوماسيين تدل على إفلاس سياسي وأخلاقي يثير الشفقة، حيث أن مثل هذه القراءات اللصوصية لا تقف أمام أدنى تمحيص علمي أو أكاديمي مهما كانت بساطته.